لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الاثنين, 22 يناير 2018

كيف نتعامل مع الوطنجية الشوفينية؟

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

دياب أبو جهجه----

أزمة هوية عميقة تعصف بنا و ببلادنا لا تكفي أبدا للاحاطة بها نظرياتنا الايديولوجية الجامدة و انما هي بحاجة لفهم ديناميكي لطبيعة التخلف على كل الصعد بما فيها الهوياتي. 
أن الأمة العربية التي تكونت و اكتملت تحت جنح الدولتين الأموية و العباسية و لم تتراجع كثيرا تحت الحكم العثماني لأنها كانت لا تزال في اطار سياسي واحد عموما و بحدود مفتوحة و بوعي جمعي مشترك دخلت منذ تسلل الاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر طور التفكيك المدروس و منذ حرب الكويت 1990 و من ثم حروب العراق المتتالية و حرب غزة الأخيرة و تنامي الشعوبية و المذهبية و انحسار الفكر القومي و تمادي الانظمة في التركيز على أولوية الانتماء المحلي و بث وطنجية شوفينية كهوية بديلة للعروبة و للاسلام بدأت مرحلة جديدة من التفكك الحقيقي. لا بد من اعادة بناء و من تصادم مع هذه الحالات الشوفينية لانه اذا فشلنا في كيها من وعينا لن يكون أمامنا سوى الانصياع لها و المرور الى الوحدة التكاملية من خلالها. فهل أصبحنا في هذه المرحلة؟
لا شك أن الدولة القطرية العربية التي  و ضعت لبناتها الأولى من خلال الاستعمار في عشرينيات القرن الماضي مع أن بعضها له جذور أعمق من ذلك نجحت في شيء واحد و هو تركيب وعي جمعي بالانتماء اليها. هي لم تنجح لا في التنمية و لا في احقاق العدل و لا في تحرير الأرض و لا في دخول العصر و ما زالت أداة في يد زمر حاكمة فاسدة و مرتبطة بالخارج عموما, و لكنها نجحت في اضافة مرض جديد الى أمراضنا و هو التشقق الهوياتي و الشوفينية الوطنجية.
ظهر ذلك جليا في لبنان خلال مرحلة 14 اذار 2005 حيث تضخمت السرطانية الوطنجية و بدأ قتل العمال العرب في الشوارع و تعالت الحناجر هتافا بعظمة لبنان و خلوده و تميزه و تفوقه على غيره من الشعوب المجاورة الأكثر تخلفا برأي الشوفينيين اللبنانيين.  و كان من الطبيعي أن تصدح الحناجر بصرخة لبنان أولا و أن يكون الخطاب المهيمن هو " لقد قدمنا الكثير من التضحيات للقضايا العربية بينما العرب يتفرجون فكفى,  و للننظر اليوم لمصالحنا".
و كان من الطبيعي أن تجد القوى الاسلامية و القومية نفسها في مواجهة هذا الخطاب نتيجة لتمسكها العميق بمفهوم الأمة و ادراكها لترابط المشاكل في بلادنا و لكونها مشاكل مشتركة تتطلب حلولا مشتركة. فانتفض الاسلاميون و القوميون في لبنان ضد المنطق الفئوي و الوطنجي و نزلوا الى الشارع بشكل صدامي جريئ رافعين شعارات أفقدت الشوفينيين صوابهم مثل "شكرا سوريا" في زمن كان اسم سوريا يمثل في لبنان عند الوطنجيين مرادفا لكل الشرور.
و دخل لبنان صراعا مريرا بين المنطقين و ان كان مشوها بالنزعة الطائفية و المذهبية الا أنه و في خلفيته صراع بين خط التفتت الشرق أوسطي التسووي تحت شعار القطر أولا و خط المقاومة المتمسك بمفهوم الأمة عربية أم اسلامية كانت. و هبت "اسرائيل" في 2006 لنصرة الخط الوطنجي التفتيتي و تصفية الخط المقاوم لتبدأ كما قالت رايس في حينها مخاضات ولادة الشرق الأوسط الجديد. فكان أن انتصرت المقاومة و ردت العدو على أعقابه و أكملت انتصارها في 7 أيار 2008 بأن وجهت ضربة قاسمة عسكريا للقوى التفتيتية الوطنجية و فرضت توازن قوى لصالح الخط المقاوم العروبي. و لم تسقط المقاومة في لبنان حرية الرأي و التعبير و الديمقراطية و انما وضعت لها خطوطا حمراء أهمها سلاحها الموجه نحو الصهيوني و انخراط لبنان المستمر و الدائم في معركة الأمة.
اليوم, و من أجل مصالحها الضيقة و المتعلقة بنهب خيرات الشعب و توريثه للعائلات الحاكمة, تقوم الزمر الحاكمة في مصر و الجزائر بعملية مماثلة لتضخيم الوعي السرطاني الوطنجي على حساب الانتماء العربي و الاسلامي.  و ينساق الشعب العربي في مصر الى خطاب نظامه العميل بشكل كبير جدا نتيجة للجذور العميقة للشعور الوطنجي في مصر و ذلك منذ أن عزلت بريطانيا مصر عن كافة الأقطار العربية الأخرى و عن السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر و نمت شعورا محليا لدى العرب المصريين مبني على اساطير الانتساب للفراعنة و حضارتهم و هو كلام لا اساس علمي أو تاريخي له. فمعظم المصريين اليوم أساسا من سلالة القبائل العربية التي دخلت شمال أفريقيا مثل بنو هلال و بنو سليم و غيرها و لا يمتون بصلة للفراعنة أصلا ما عدى الأقباط اللذين هم يمثلون أحفاد المصريين الأصليين. كما أن العروبة كبوتقة غير عرقية شكلت الهوية المشتركة لكل المصريين أقباط و مسلمين في مواجهة الحكم المملوكي لقرون عديدة فكان هنالك الباشاوات و الباهوات و كان هنالك في مواجهتهم "أولاد العرب" بلسان الشعب المصري. و ثورة عرابي كانت تسمى "ثورة أولاد العرب" و كل هذا قبل أن يستعيد عبد الناصر وعي مصر القومي بعروبتها و يضعه فوق الانتماء المصراوي الوطنجي البريطاني الصنع و يزيل حتى اسم مصر من اسم الدولة لتصبح الجمعورية العربية المتحدة و تبقى كذلك بعد الانفصال حتى الانقلاب الساداتي.
و نحن لا نقول هنا أن العرب لا يجب أن يحبوا أقطارهم لأن كل انسان في العالم يحب المنطقة التي يسكن فيها و نشأ فيها و يميزها عن غيرها. فالشعور "الجهوي" طبيعي على شرط ألا يأسطر ليتحول الى هوية بديلة للهوية الجامعة. نعم أنا أحب لبنان و تحديدا جنوبه أكثر من مصر و من الجزائر و انتمي اليه كمنطقة من وطني العربي و لكنني لا أنخدع أبدا بهذا الشعور المناطقي و أستبدل به انتمائي القومي. و عندمل يوضع الوطن الأصغر في مواجهة الوطن الأكبر لا بد من أن نقول سحقا للوطنجية.  فلا قيمة لا للبنان و لا لمصر و لا للمغرب و لا للجزائر من دون العروبة هوية حضارية جامعة و سمحة. 
يجب أن ندافع عن الوطنية في مواجهة الطائفية و المذهبية و الاثنية, و لكننا أيضا يجب أن ندافع عن العروبة في وجه الوطنية المفرطة. هذه هي المعادلة التي يجب أن نتمسك بها دوما كقوميين و تقدميين. تماما كما يجب أن ندافع عن الأممية في وجه التعصب القومي الشوفيني . كل هذا دون أن نكف عن كوننا وطنيين و قوميين و بشر.
أما الدولة القطرية فواجبنا أن نحافظ عليها في وجه الاحتلال الخارجي و محاولات التفتيت و لكن واجبنا هو أيضا أن نحولها الى ديمقراطية و نخرجها من يد الزمر الفاسدة و العميلة التي تستعملها أداة للقمع و النهب. الدولة في لبنان و مصر و الجزائر و غيرها من الأقطار يجب أن تكون أداة في يد الشعب لا أن يكون الشعب أداة في يدها. عندها فقط تتحول الدولة الى رافد للتقدم و العروبة و الانفتاح و تتوقف عن كونها عائق قي وجه الأمة.  الدولة القطرية اذا ما كانت ديكتاتورية أو فاسدة هي عدو للأمة العربية و اذا ما كانت ديمقراطية و حرة هي لبنة في بناء الوحدة العربية.
 و أخيرا, أقول لمن اساء فهمي في مقالتي التي تحدثت فيها عن مدى الفقر و الجهل و الانحلال في بلادنا أن عليهم أن يعرفوا أن القومي العربي لا يكتب تشفيا و لا شماتة عندما يتكلم عن أزمات أمته و شعبه و انما يكتب بعض الأحيان غاضبا على أبناء جلدته, خاصة عندما ينساقون وراء الأعداء من طغاة و غزاة و لصوص. فأما القوميون الحقيقيون فيفهمون و أما مدعي القومية ممن تشبعوا بشوفينيات الدول المصطنعة فيشتاطون و ينفضحون.

Add comment


Security code
Refresh