لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية » متفرقات » على هامش الغضب | بيروت حمود
الاثنين, 18 ديسمبر 2017

على هامش الغضب | بيروت حمود

إرسال إلى صديق طباعة PDF

bayrutعلى هامش الغضب | بيروت حمود

 

تعربشته الصدمة , فأصيب بحمى القلق وسرت في جسده رعشة جماعية لمئات الأجساد الضئيلة والوجوه الطفولية المتكررة حوله , ذكرته بخليط الأحاسيس الفوضوي الذي انتابه عندما لعب لأول مرة في حياته كلها "بيت بيوت وعروسه وعريس " مع أترابه في الإصلاحية ,لم يكن ذلك منذ زمن سحيق فالصور لا تزال عالقة في ذهنه حتى هذه اللحظة : ريما تراقب الممر ,مريم تنتزع ثيابها بعنف طفولي مبرر وهو يستعد لحضنها واختلاس القبلات وممارسة الجنس الجاف الذي طالما خطط له مسبقًا دون أن يجد فرصة لتأديته .

كان يسكن في بيت وسط الشارع أو أن الشارع يسكن وسطه ففي الحالتين تبدأ الطريق وتنتهي مارة عبره بحيث لا يعقل إغفال تفاصيلها أو وضعها على هامش حياتهم إلا أنه منذ صغره حرم من أزقة الحي التي غالبًا ما بدت له عينه من مقاطع لمتاهات طويلة,ضيقة ولا محدودة وجد صعوبة في احترافها مزدحمة كانت أو خالية ؛حتى لغته البسيطة ومقاطع الأغاني الثورية التي لقنته إياها معلمته في الاصلاحية ,كلها , لا تسانده في التعرف على الوجوه المسجاة على الجدران لكنه يعرف شيئًا واحدًا أنها تُعامل معاملة الخريف لأوراقه التي تسقط مع الوَسميّ فهي كذلك تتلف وتزول مع أول هبة ليعلق مكانها صور لرموز آخرين يليقون بجديد الانتفاضة تلك الصور التي كان رفاقه يتسللون في الليل ليرسمون تحتها بالخطوط الحمراء العريضة وسائل التعذيب التي تنتهجها اللغة , فللغة أيضًا غونتانمو خاص بها حين تثبت علينا تهمة كالنسيان اللفظي كان أو المعنوي !. وما الذي كان يربطه مع هذه الجدران وهذه الرؤوس المصلوبة عليها غير البول الذي كان يتبوله غير عابئ بدهشة المشاة وتقززهم من علنيته المبالغ فيها !.

مع هذا كان فمه يفضحه أو يذكر الجميع بأصله, فمه الذي اعتاد على مص إصبعه وترديد عبارة كان يسمعها من الشبان الذين كانوا يترددون على بيتهم لنيل قسط من المتعة مع أخته ؛ حين كان يرجع إلى البيت لقضاء العطلة . سلوان ليست لليهود, إنها رغم كل الأنوف ستبقى لنا .

كانت هذه هي المرة الأولى التي يخطأ فيها في نيل ما كان يخطط لاختلاسه فقد رجع إلى البيت بيدين خاليتين حتى من ثوب نوم مثير تجني بواستطه , أخته, بعض المال لتسديد نفقات البيت والغرامة المالية التي فرضتها المحكمة على العائلة حين ضبطت بكر ها بتجارة الحشيش . رمقه والديه بنظرة متفحصة فيها آلاف التساؤلات الغبية , لكنه اجتازها برد واحد : لن أسرق بعد اليوم .

ظلت من بعد هذا الرد الشتائم تلاحقه كهاجس : يا إبن القحبة ترد على معلميك في الاصلاحية أنا سأربيك يا عرص .. لن تسرق ها.. دبت النخوة فيك الآن يا كلب يا ابن الكلب .. في كل عطلة كان يتسنى له فيها العودة إلى البيت كان يستغلها في التدرب على الاختلاس ,السرقة والتهريب دون أن يرافقه أو يتابعه أحد على وجه التحديد ؛ في البداية كان يلتقي "الزبائن " عند عين سلوان يسلم "الأمانة" المتمثلة بقطعة شوكولاه (يتبدل حجمها من زبون لآخر)_ كما قال له والديه ,ثم يسلم المبلغ الذي اعطاه إياه الزبون لوالده أو لأخته فقط . كان أحيانًا يتسلل إلى السوق في البلدة القديمة يستغل انشغال العجائز في الصلاة ليسرق ورق العنب أو الزعتر أو الملبن حتى , فيكون بذلك قد أمن إحتياجات البيت من الطعام في ذلك النهار.

منذ الأمس لم ينم ,بقي يفكر في هدمهم للمقبرة ويتساءل كيف أنه حتى الموتى لا يسلمون من طغيان هؤلاء الذين دأبت معلمته في الإصلاحية على نعتهم بالخنازير الرعاع .

الآن هو واقف في مواجهة شخصية و مباشرة معهم ؛ الصدمة لا تزال تتعربش أطرافه , والغضب يتسلق على أوداجه كدالية , هو غضب الألوف المؤلفة ,وجه واحد لا يتغير ولا يتبدل إزاء ترجمة الترانسفير الحديث على واقع حياة المقدسيين .

ما الذي يفعله..؟ ينظر حوله يتعلم كيف يكسر الحجارة ويرجم بها , يتدرب على اصطياد الإسرائيليين باصطياد العصافير , يعبئ الرمل بأكياس الخيش , يحرق إطارات السيارات يركض في أزقة الحي هاربًا من هؤلاء الذين يتسلون بخرق القوانين الدولية التي تحرم اعتقال الأطفال في حين لا تسمح لهم ظروفهم الحالية بارتشاف دم صغار غزة . يخنقه الغاز. يديه مكبلة خلف ظهره بأصفاد حديدية ومن حوله كل شيء يشتعل.. أما هو فمبتسم إلى حين لا يعود يسمع لهجته !.

بقلم: بيروت حمود

مجد الكروم فلسطين

Add comment


Security code
Refresh