لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية » مقالات و أبحاث » اللّغة العربيّة في إسرائيل: ما بين مطرقة التّطهير وسندان التّوحيد | علي نصوح مواسي
الاثنين, 18 ديسمبر 2017

اللّغة العربيّة في إسرائيل: ما بين مطرقة التّطهير وسندان التّوحيد | علي نصوح مواسي

إرسال إلى صديق طباعة PDF

ali mawassi.arabnationalists.org

اللّغة العربيّة في إسرائيل: ما بين مطرقة التّطهير وسندان التّوحيد | علي نصوح مواسي

 

لا يمكِنُ الحديثُ عن وضعيّةِ اللّغة العربيّةِ في الدّاخل الفلسطينيّ بمنأًى عن الصّراع السّياسيّ وما يرافقه من قضايا آيدولوجيّة، وترانسفير، وأمن، وهويّة عرقيّة؛ فقد تعاملت المؤسّسَةُ الاسرائيليّةُ  مع العربيّةِ دومًا من مُنطلقاتِ الفكر الصّهيونيّ ومبادئه ومتطلّباته، ودأبت من خلال لجانٍ مختصّة، ومن قبلها الحركةُ الصّهيونيّةُ، على محقِ أسماء المواقع الفلسطينيّة العربيّة، واستبدالها بأسماء عبريّةٍ صهيونيّةٍ وتوراتيّة، بما يتلاءَمُ مع مشروعِ " دولة اليهودِ "، وطمس هويّة المكان التّاريخيّة، العربيّة والمسلمة.

وجد الفلسطينيّون أنفسهم، وتحديدًا الأجيال الّتي لم تعايش النّكبة، ضمنَ حيّزٍ مكانيٍّ لا صلة واضحة تجمعهم به، ولا يستفزّ ذاكرتهم الجماعيّة، فهم لا يعرفونَ عنه الكثير، ولم يكن يمكنهم على مدار عقدين من الحكم العسكريّ أن يتحرّكوا فيه بحرّيّة لاكتشافه.. كما فرضت عليهم مع قيام الدّولة مباشرةً سياسة " فُرن الصّهر " الرّاميةِ أساسًا إلى إلغاءِ الهويّات واللّغات الأولى لليهود المهاجرين، وخاصّةً القادمين من الدّول العربيّة، ودمجها جميعًا في قالبٍ اسرائيليّ واحد، يتحدّثُ كلّ من في إطارهِ اللّغة العبريّة ويثمّن عاليًا الثّقافة اليهوديّة ويميلُ إلى منهج الحياة الغربيّ لا الشّرقيّ، وقد فُرِضَ تعلّمُ العبريّةِ وتراث اليهود وتاريخهم، وبكثافة، على السّكّانِ العربِ الأصلانيين، خدمةً لهذا المسعى، رافق ذلك تفريغٌ لمناهجهم الدّراسيّة من أي أبعاد وطنيّة وقوميّة عربيّة، وتهميشٌ لجماليّات العربيّة وفنونها.

zionist

كانَ لسحقِ المراكز الحضاريّةِ في فلسطين عام 1948م، وتفتيتِ مُجتمعها المدنيّ، بما كان يحويهِ من حراكٍ فنيّ وثقافيّ وأدبيّ وحزبيّ، وتشريدِ واعتقالِ وتقتيلِ نُخبِ الشّعبِ الفلسطينيّ، وكذلكَ سرقةِ مكتباتهم الخاصّة والاستيلاء على إرشيفات مؤسّساتهم الوطنيّة والتّعليميّة والإعلاميّةِ والحجر عليها، كانَ لكلّ ذلِكَ أكبر أثرٍ في تدميرِ فضاءاتِ تحرّكِ اللّغةِ العربيّةِ وتفاعُلاتِها، وتقليلِ احتمالاتِ نُهوضِها وتطوّرها الإيجابيّ في الدّاخل الفلسطينيّ، خاصّةً أنّ سوادَ الفلسطينيين الّذينَ بقوا داخل الخطّ الأخضر، هم من أبناء الرّيف الّذين لم تتوفّر لهم برامج تعليميّةٌ متقدّمةٌ حتّى ذلكَ العهد..

ذلِكَ يعني أنّ سياسة الحركة الصّهيونيّة اللّغويّة استندت إلى مرتكزين ضمنا سيادةً للّغةِ العبريّةِ والهويّةِ اليهوديّة على أيّ لغةٍ وهويّةٍ أخرى: 1. تَطهيرٌ لُغويٌّ مورسَ بحقّ العربيّة، لازمَ التّطهيرَ العرقيّ بحقّ الفلسطينيين، 2. وتوحيدٌ لُغويّ عبريّ شملَ كلّ من تحكمه الدّولة الاسرائيليّة.

ترفُضُ المؤسّسةُ الاسرائيليّةُ التّعامل مع المواطنين العرب على أنّهم أقليّة قوميّة، الأمر الّذي يحرمهم من تنظيم أنفسهم جماعيًّا بالأدواتِ القانونيّة (وهو حقٌّ لهم تضمنه مؤسّسات المجتمع الدّوليّ)، وبالتّالي لا يتمّ التّعامل مع لغتهم قانونيّا على أنّها لغة قوميّة، ويكتفي القضاءُ الاسرائيليُّ بالإشارةِ إلى الحقّ الفرديّ لكلّ مواطن في أن يتكلّم اللّغة الّتي يشاء، معترفًا بالعبريّة فقط على أنّها لغةٌ قوميّةٌ وأساسيّة في الدّولة الاسرائيليّة؛ وانطلاقًا من هذه السّياسة، يحرمُ المواطنونَ العرب من إدارة أنفسهم ثقافيّا، ممّا يعرقلُ بناءهم مجتمعهم المدنيّ والنّهوض به، وإيجادَهُم مؤسّساتٍ قوميّةً متينةً تخلقُ حراكًا ثقافيًّا وأكاديميّا وسياسيًّا يجدّدُ الدّمَ في جسد اللّغة العربيّة، فالعربُ لا جامعة مستقلّة لهم، ولا هيئة رسميّة مستقلّة تمثّلهم قوميّا، ولا حيّزًا فنّيًّا وثقافيّا واضحَ المعالم، يلبّي احتياجاتهم الجماعيّة والوطنيّة، ولا مناطقَ اقتصاديّة عربيّة متطوّرة كما هو الحال في المدن اليهوديّة، وما إلى ذلك؛ هذا يعني أنّ المؤسّسةَ الاسرائيليّةَ تمنحُ للعربيّ فردًا، الحقّ في استخدامه لغته الأمّ، لكنّها تسلبُ منهُ كلّ السّياقات اللّغويّة المُهمّة في عمليّةِ تطويرِ وتجديدِ أيّ لُغةٍ كانت، وجعلها عنصرًا مركزيّا في حياة الفرد اليوميّة، وذلك خشيةَ أن ترقى العربيّةُ إلى مستوى التّعبيرِ عن هويّة أصحابها القوميّة والوطنيّة.

فاخرُ النّخبُ الاسرائيليّةُ المجتَمعَ الدّوليّ بين الحينِ والآخر، بأنّها دولةٌ تعدّديّةٌ ديموقراطيّة، تحترم أقليّاتها هويّةً وثقافةً ودينًا ولغةً، بدليل أنّ اللّغة العربيّة تعدُّ رسميّةً في إسرائيل؛ وليسَ هذا الادّعاءُ في الواقعِ سوى تضليلٍ وخداعٍ وتشويه، فالحقيقةُ أنّ إسرائيل ورثت مئات القوانين والقرارات من عهد الانتداب البريطانيّ على فلسطين، ومن بينها قرار اعتبار العربيّة لغةً رسميّةً في فلسطين إلى جانب الانجليزيّةِ والعبريّة، وقد تمّ تغييرُ القرار عند قيام دولة إسرائيل لتكونَ العبريّةَ هي اللّغة الرّسميّة للدّولة، وتحلّ ثانيةً بعدها اللّغة العربيّة، وبالتّالي فإنّ المسألة ليست تسامحًا وتنوّرًا إسرائيليّا، بل هي من رواسب الحقبة الانتقاليّة بين نظامين محتلّين.

كما أنّهُ لا يوجد حتّى الآن قانونٌ إسرائيليٌّ لحماية اللّغات في الدّولة، وبالتّالي لا يوجد نصّ قانونيّ واضح وصريح، يشيرُ إلى أنّ اللّغتين العربيّة والعبريّة، متساويتان، أي رسميّتان بالمقدار نفسه في دولة إسرائيل.

وتقتصرُ رسميّةُ العربيّةِ في إسرائيل على المؤسّسات الحكوميّة فقط، ولا يفرضُ القانونُ الاسرائيليُّ على المؤسّسات والمصالح الخاصّة والعامّة، التّعامل مع العربيّة على أنّها لغةٌ رسميّة، وحتّى المؤسّسات الحكوميّة فإنّها لا تلتزم غالبًا بالتّعامل مع العربيّة على أنّها رسميّة، لا في معاملاتها اليوميّة ولا فيما يصدر عنها من نماذج ونشرات وإعلانات، وكانت هناك حاجةٌ دائمًا للتّوجّه إلى سلطة القضاء للبتّ في مثل هذه المسائل، واتّخاذ قرارات تلزمُ المؤسّسات الحكوميّة استخدام العربيّة، خصوصًا في الأماكن العامّة، وهي قراراتٌ احتاجت دائمًا إلى وقتٍ طويلٍ حتّى تنفّذ، كما أنّ قرارات القضاء الاسرائيليّ لم تتجاوز حتّى اللّحظة (( تعويض المتضرّرين مباشرةً من عدم استخدام العربيّة في المؤسّسات الحكوميّة ))، والمعروف أنّ العرب يتقنونَ العبريّة، وبالتّالي يعتبرُ هذا القرارُ تملّصًا قانونيّا من اعتبار العربيّة لغة رسميّة في إسرائيل.

ثمّةَ سؤالٌ مهمٌّ يجبُ طرحُهُ في هذا المقام: تُرى لماذا لم تقُم المؤسّسةُ الاسرائيليّةُ بمنع استخدام العربيّة تمامًا في دولة إسرائيل كما فعلت فرنسا مع الجزائريين مثلاً، أو لم تُلغِ " رسميّتها الشّكليّة " على الأقل؟

تشيرُ المصادرُ والوثائقُ إلى أنّ السّاحة الاسرائيليّة، الرّسميّة والإعلاميّة، شهدت محاولاتٍ كثيرةٍ لإلغاء رسميّة العربيّة، ومنع تداوُلها واستخدامها في أيٍّ من مرافق الدّولة أو أيّ حيّزٍ عامّ، وقصرها فقط على مجالات الحياة الخاصّة بالمواطنين العرب، والّتي لا يكونُ اليهودُ جزءًا منها، وقد طُرحت على طاولة الكنيست ولجانها عدّةُ اقتراحاتٍ بغيةَ تحقيقِ هذا التّوجّه، قدّمها عددٌ من أعضاء الكنيست المنتمين إلى أحزاب اليسار واليمين الاسرائيليين، لا اليمين وحده، لكنّها جميعًا باءت بالفشلِ وتمّ إسقاطها.

يذهبُ كثيرٌ من الدّارسينَ إلى أنّ مجمل النّخب الاسرائيليّة الحاكمة، تستقي توجّهها إلى عدم إلغاء العربيّة تمامًا وصراحةً، من سياسات وتوجّهاتِ زعماء الصّهيونيّة المؤسّسين، والّذينَ أرادوا إبعادَ أصابع الاتّهام عن نظامهم النّاشئ بأنّهُ يمارسُ سياسات " القمع اللّغويّ " بحقّ الأقليّات الّتي يحكم، وذلكَ حتّى يتمّ تقبّل إسرائيل دولّيًّا بسلاسةٍ ودونما تعقيدات، وحتّى يتقبّل العربيّ في إسرائيل حقيقة وجودِ كيانٍ جديدٍ ليس يسعى إلى اضطّهاده وقمعه، لكن في المقابل، قامت المؤسّسةُ الاسرائيليّة كما أشرنا سابقًا، بإفراغ اللّغة العربيّة من أيّ قيمةٍ رسميّةٍ على أرض الواقع.

جاءَ لدى ابن حزمٍ الأندلسيّ : "إنّ اللّغة يسقطُ أكثرُها وتبطُلُ بسقوطِ أهلِها، ودخولِ غيرِهم عليهم في أماكنهم، أو بِنَقْلِهِمْ عن دِيارِهِمْ، واختلاطِهِمْ بِغَيْرِهِمْ. فإنّما يفيدُ لغةَ الأُمّةِ وعلومَها وأخبارَها قوّةُ دَوْلَتِها ونشاطُ أهلِها، وأمّا من تَلِفَتْ دولَتُهُمْ، وغلبَ عليهِمْ عدُوّهُمْ واشتغلوا بالخوفِ والحاجَةِ والذّلّ وخدمَةِ أعدائهم، فمضمون منهم موتُ المخاطِرِ، وربّما كان ذلِكَ لشتاتِ لُغَتِهِمْ، ونسيانِ أنسابهم وأخبارِهِمْ، وهذا موجودٌ بالمُشاهَدَةِ ومعلومٌ بالعقل."

إنّ المُبصِرَ كلامَ ابنَ حَزمٍ، وهوَ الفيلسوفُ العلاّمةُ الفَقيه، وإذ يقارنُ بين مقالِهِ القديمِ وواقعِ أحوالنا، يجدُ نفسهُ مُضطّرًا أن يقلقَ لوضع لغة الضّادِ في عمومِ الوطنِ العربيّ، وفي الأراضي الفلسطينيّة المحتلّةِ عام 1948 خصوصًا، وهو كلامٌ ينبّهنا إلى ضرورة وضع استراتيجيّات وخطط عمل مؤسّساتيّة، وطويلة الأمد، للحفاظ على لغتنا العربيّة هويّةً قوميّةً وسياسيّة، ووعاءً حضاريّا وسلاحًا وجوديّا، والعمل على تأسيسِ سياقاتٍ تمكّنها من التّفاعل والتّطوّرِ والتّجدّد، فتكون جزءًا من حياتنا اليوميّة.

 

Add comment


Security code
Refresh