لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الأحد, 20 أغسطس 2017

بيان للمستقبل

إرسال إلى صديق طباعة PDF

dyab column

دياب أبو جهجه----

القرارات المهمة في حياة الانسان تجيء عفويا و لكنها لا تأتي من فراغ تماما كعنقود عنب ينضج على العريشة ثم يسقط تلقائيا. أكتب اليكم رسالتي هذه و أنا على يقين أنها ستفاجئ البعض و ستخيب آمال البعض الآخر و لكنني كذلك على يقين أن معظمكم سيشعر بما أشعر به و يتفهم دوافعي و رأيي و استنتاجاتي. منذ أن كان عمري 17 عاما و أنا اناضل في صفوف الحركة القومية العربية و لم يغير ذلك عامل جغرافي أو مادي أو معنوي. قناعتي كانت و لم تزل بأن العرب يستحقون العيش بحرية و برفاهية و بكرامة, و بأن العوائق التي تقف في طريق هذه الحياة الكريمة المنشودة متشعبة و متعددة من الاحتلال و الاستعمار الاجنبيين الى القمع الداخلي من قبل الانظمة الفاسدة, الى الكليبتوقراطية (حكم اللصوص) و الفساد المتفشي في مؤسساتنا الى غياب المجتمع المدني الفاعل و استفحال العقلية الفوضوية , الى الذكورية المتخلفة التي يرد عليها البعض بنسوية مفرطة اكثر تخلفا, الى العقلية الغيبية الدينيية اللاعقلانية و المتزمتة التي يرد عليها البعض بعقلية مادية استلابية فارغة من كل مضمون حضاري و هوياتي اكثر تزمتا.  نعم خلطة التخلف و الانحطاط معقدة و مركبة و بالتالي لا بد لخلطة التقدم و التحرر أن تكون كذلك أيضا.


 

لقد شكلت ثورة جمال عبدالناصر الفرصة الوحيدة لشعوبنا للخروج من هذه الدوامة بما حملته من نزعة حداثية متلازمة مع ولاء لهوية الأمة و تراثها من دون السقوط في فخ الاصولية الدينية و لا في فخ العلمانية الاتاتوركية المتطرفة. لقد كان عبد الناصر يمثل طريقا حداثيا علمانيا معتدلا ينبع من هوية الامة العربية الاسلامية و من الحداثة القومية الاجتماعية (الاشتراكية)  و كان فكره بعيدا عن الدوغمائية و نابعا من الواقع و من التجربة و الخطأ مما جعله يصل الى خلاصات مهمة جدا كضرورة التلازم بين الديموقراطية السياسية و الاقتصادية و اهمية الاقتصاد المختلط و الراسمالية الوطنية في ظل اقتصاد اشتراكي موجه و ضرورة التحالف العالمثالثي لفرض تغيير حقيقي على مستوى العالم و كلها مبادئ لا تزال صالحة اليوم و يتبناها أصحاب تجارب رائدة مثل تشافيز و موراليس و غيرهم.

كان من الطبيعي ان يصطدم عبد الناصر مع الاصولية المتزمتة  سواء كانت دينية او شيوعية و كان من الطبيعي ايضا ان يدافع عن نظامه الذي كان يخوض حربا طاحنة على اكثر من جبهة داخلية (مع الاقطاع و مع الاخوان و الشيوعيين) و خارجية مع الكيان الصهيوني و الغرب.  و لكن ما لم يكن طبيعيا هو أن يبني الظباط بارونيات لهم تنتج فسادا و قمعا مفرطا (تحديدا عبدالحكيم عامر و لكن ليس حصرا) و لم يتدارك ناصر الأمر الا متأخرا.

و بغض النظر عن النقد الضروري للتجربة الناصرية الا أنها شكلت التجربة الحداثية الاكثر ريادية في الوطن العربي و ذلك ما جعل اشخاص مثل جوزف سماحة مثلا و هو ينتمي الى المدرسة الماركسية يضع صورة عبد الناصر على مكتبه رغم العداء الذي تكنه  البيئة الشيوعية المحيطة به للرجل و التجربة. و لكن الأهم من النخب هو موقف المواطنين العرب من ناصر و الشعبية التي لا يزال يتمتع بها, لان الناس تعي بالوعي او اللاوعي من يمثل مصالحها.

الناس نفسها التي تدعم اليوم حركات المقاومة رغم كل محاولات التشويه و زرع الفرقة المذهبية تجد أن رجل شيعي من جنوب لبنان اسمه حسن نصر الله هو الشخصية الاكثر شعبية من المحيط الى الخليج رغم كل محاولات زرع الشقاق و رغم محدودية عامل الجذب الايديولوجي لحزبه . ان ما يهم الناس هو من يقدم النموذج الاكثر حضارية و الاكثر رقيا و الاكثر مقاومة و لذلك احبت عبدالناصر و لذلك تحب نصرالله. الناس  يحبون من يدافع عنهم بصدق و يعبر عن طموحاتهم بالتحرر و التقدم  و يصنع شيئا حقيقيا على الارض  من أجل ذلك, شيء بحجم انتصار 56 او انتصار 2006 او شيء بحجم تأميم قناة السويس أو بناء السد العالي, اشياء حقيقية و ليست شعارات.

و لأن الناس لا تحب الرداحين و لا الشعارات و لا الكلام الفارغ فانها اليوم تدير ظهرها للتيار القومي العربي و لليسار و تؤيد  الاسلاميين .  لقد تحول التيار القومي و اليسار الى منابر للردح و التفلسف على الناس و التباري في استعمال لغة لا يفهمها أحد و مقولات لا فائدة فيها تسقط من أزمان و أوقات أخرى. لا زلنا نرمي الناس بكلام الستينيات و الخمسينات بينما الانسان العربي يعيش في عقده و سنته و يومه و يريد حلولا لمشاكله الآن.

لا زلنا نتفلسف حول الأمة و الطبقة و الثورة و هي كلها مفاهيم هلامية ضبابية لا اجماع عليها.  و لا زلنا نحلل العلاقة بين القومية و القطرية و الأممية و الانسان العربي يريد جوابا عن أسئلة أكثر بساطة بكثير من هذا, لا بل يحمل ببساطة أجوبة تبدو معقدة لنا من خلف الساتر الفكري الذي يعيق رؤيتنا.  لقد آن الأوان أن تسقط النظريات القديمة التي كانت بنت وقتها و زمنها تماما كما آن الأوان أن تسقط الحلول الفقهية التي أنتجها مفكرون دينيون قبل ألف عام و لا تزال تحكم علاقاتنا الاسرية و  المسماة شرعية.  التجديد ليس خيارا, انه  مسألة حياة أو موت, مسألة انفصال عن الواقع أو اتصال به. الحلول عليها أن تنبع من المشاكل المطروحة لا أن نحمل حلولا جاهزة نريد أن نجد لها مشاكل.

و من هنا و بناء على هذه القناعة فأنني أعتبر أن طرح الحركة القومية  العربية كما كان في الستينات لم يعد صالحا اليوم الا لانتاج فشل جديد و من يريد أن يتمسك به لانه رومانسي الطابع أو لأنه يبحث عن زعامة ما فليعرف أنه يضيع مجهوده في طريق لن يصل الى شيء. و كذلك لا مستقبل للشيوعية و لا لليسار الراديكالي الماركسي في عالم تشعب و تحولت مكوناته الى صيغة طبقية غير تقليدية. و سيكتشف الاسلاميون كذلك ,و هم بدأوا يكتشفون, أن الاصولية الدينية طريق مسدود معرفيا و سياسيا و لن تنتج مستقبلا بالرغم من كونها أداة عاطفية فعالة لاستنهاض رغبة الناس بالقتال و المقاومة و هو ما قد يحتاجه شعب للتحرر و لكنه ليس ما يستطيع البناء عليه في كل الميادين.  كما أن العقلانية المادية الفارغة من اي مضمون حضاري و التي تريد أن تقطع نهائيا مع الهوية طريق مسدود و مدمر و يقود الى فراغ سينتج فوضى و عنف و استلاب كلي. نعم المشهد سوداوي الا أن ساعات الليل الأكثر حلكة هي اللحظات التي تسبق انشقاق الضوء.

أن ما نحتاج اليه هو خلطة واقعية من عروبة تشكل انتماء حضاريا بكل ابعاده و ينظر اليها على أنها فرصة ثقافية و تاريخية لبناء فضاء مشترك قد يتحول الى دولة مشتركة يوما ما بين شعوب عربية  لها كلها ثقافاتها المختلفة و المتعددة و لكنها كذلك تشترك بثقافة جامعة أكبر و أهم من أن توضع في المرتبة الثانية. العروبة كفرصة لتشكيل أمة عربية هي أهم من وهم أمة مكتملة التشكيل يكون عائقا في وجه اي تقدم حقيقي على طريق الوحدة.

الوحدة العربية تمر من خلال الديموقراطية و النهضة في كل دولة عربية و من خلال عمليات ادماج اقتصادي و ثقافي و اجتماعي ذات معايير محددة. الوحدة العربية لا بد من أن تكون نتاج طبقة وسطى عربية  تنتج مواطنة و ديموقراطية و ثقافة و اقتصاد متوازن و كرامة وطنية و مقاومة.

ألاريستقراطية العربية الحاكمة لن تنتج الوحدة العربية و الجماهير العربية الكادحة وراء لقمة العيش لن تنتج الوحدة و لا التغيير و بالتأكيد ليس الثورة.  كل ثورات العالم قادتها الطبقة الوسطى و انتجت من خلالها أحيانا مجتمعا يشبهها و هو المجتمع الاكثر صحية من دون شك و فشلت عندما تحولت بدورها الى نخبة اريستقراطية طاغية.  لأن المجتمع الاريستقراطي مريض حكما و المجتمع الكادح الفقير المعدم ليس هدفا يجب أن ينشده أحد و ينتج المرض و الحروب و التخلف. مجتمعا يشبه الطبقة الوسطى اي مجتمع اشتراكي ديموقراطي حر هو ما ننشده و ما نريده.

طبعا سيردح الرداحون و يكفرني المكفرون و يهرطقني المهرطقون الا أن ما أكتب هو ما يمليه علي ضميري و ولائي للعروبة و لشعب العروبة و مستقبل العروبة. فنحن اما أن نكون مواطنين أو لا نكون. هذه هي القومية العربية الحديثة و هذا هو ما ننشده و هي تبدأ من العمل التطوعي في شوارعنا من أجل النظافة و الترتيب و من تشكيل شبكات المواطنين لمحاربة الفساد و لفرض الديموقراطية و حرية الراي و التعبير و كسر التابوهات و المحرمات و تشجيع البحث العلمي و الحلول مكان الدولة حيث تفشل الدولة في مهمتها و انتاج ثقافة متوازنة في وطنيتها و عروبتها و انسانيتها, في عقلانيتها و هويتها في علمانيتها و تدينها (او روحانيتها و أخلاقيتها).  كذلك لا بد من انتاج حالات مقاومة  تواجه عنف المحتل و المستعمر بالعنف المضاد و لا تقبل المساومة على كرامتها و لا تطبع مع الكيان الصهيوني تحت اي شعار زائف و لا تعترف بحق اي كيان استعماري بالوجود و تعاهد نفسها ان تناضل بكل الوسائل العنفية و اللاعنفية لازالة هذا العار الاستعماري من الوجود.

نحن بحاجة لمجموعات و كتائب من المواطنين  تتقدم على طريق حرية المواطن و كرامته و بناء مجتمع حر دينامي متوازن في كل بلد عربي يكون فرصة للانفتاح و الادماج العقلاني بين سوريا و لبنان أولا و الجزائر و المغرب و تونس و ليبيا و مصر و السودان و العراق و الكويت و السعودية و اليمن الخ  و من ثم تشكيل  اتحاد كونفدرالي عربي  و سوق عربية مشتركة  على اساس الديموقراطية و السوق الحرة المنظبطة اجتماعيا و المحاربة للاحتكارات.  ان البعد عن هذه المقولات بحجة انها اصلاحية يغفل أن الثورة عندما تكون فاشلة و تتحول الى مطلب نخبوي رومانسي تكون قبولا بعدم تغيير الواقع و بالتالي حفاظا على الوضع القائم تحت حجة أننا ننتظر التغيير الكبير فينتهي بنا الامر بدفن التغيير الممكن بين الشعارات الكبيرة و الردحيات و طفرات الادرينالين الغاضب.

Comments  

 
-1 #1 مواطن 2010-08-11 07:55
فأنت الآن حر وحر وحر :)
Quote
 

Add comment


Security code
Refresh