لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية » مقالات و أبحاث » الفعل ورد الفعل (2): أوديسوس | عبدالله البياري
الجمعة, 20 أكتوبر 2017

الفعل ورد الفعل (2): أوديسوس | عبدالله البياري

إرسال إلى صديق طباعة PDF

abdullah_bayyari_1الفعل ورد الفعل (2): أوديسوس | عبدالله البياري

من الممارسات الرقابية المتكررة في مجتمعنا العربي من قبل بعض المؤسسات و الأفراد مثقفين كانوا أم لا ، و التي جاءت كنتاج طبيعي للصمت النظامي (العسكري الفكر) من ناحية وتفشي الممارسات الرقابية المستبدة من قبل جميع السلطات الثقافية و الدينية و السياسية من ناحية أخرى ، كانت محاسبة الكتاب و الشعراء و الروائيين على أعمالهم بإعتبارها تمثيلا لتوجهاتهم وأفكارهم ، التي متى خرجت عن حدود الديباجة السلطوية بأنواعها وجبت محاسبتهم هم و أفكارهم .


وذلك تطبيقا لقاعدة الفعل و رد الفعل ، وهي ههنا فرض لخيال السلطة فوق سلطة الخيال ، وذلك للوصول لحالة من الصفرية برد فعل لفعل ما ، في حين أن ذلك لاينطبق على الإنسان لأنه كائن (لاصفري) فكريا . لأن الخيال الإنساني عموما وللشاعر والروائي و الكاتب خصوصا لايلبث دوما أن يخرج ويحيد كثيرا عما أريد له ان يكون وأن يكتب حتى بالنسبة لكاتبه ، فالشعراء وا لروائيون في كثير من الأحيان يجدون أنفسهم إلى جانب أبطالهم على المسرح الورقي لا يعلمون ماذا تحمل لهم أوراقهم المقبلة في عالم من ورق وهم فيه كائنات حبرية يعيشون يومهم بورقته ليس إلا ، على حلبة السلطة الوحيدة فيها هي سلطة الخيال و التي لا يمكن أن تكون خيالا مالم تخرج عن المألوف ‘ لذا فنحن دوما نجد للشعراء و للكتاب و للروائيين قبل البدء في أي عمل الفني ترتيبا ما للأحداث و الأفكار والتسلسل فيما بينهم جميعا سرعان ما يتغير لأن كل كائن حبري يتمتع بإستقلاليته داخل العمل الفني ممايعطيه القوة لفرض منطقه أيا كان. بل وفي كثير من الأحيان – لتحري الدقة –، فالشاعر و الروائي لا يعدو أن يكون كاتبا لدى أبطاله يسجل أحداثهم ، يملوون عليه رؤآهم ويحاورونه و يحاورهم ، يختلفون و يتفقون ، ويتواجهون ويهربون ، ويحتدون كثيرا بل أن بعض الشخوص ينتفضون على دكتاتورية القلم و الخيال على الورق.. عالمهم فينسحبون إلى البياض ، وكل ذلك في النهاية هو إضافة لزخم العمل الفني.
وذلك مايفسر في كثير من الأحيان ظهور أجزاء لاحقة للعمل الأصل ، كمحاولة إسترضاء للشخوص الغاضبة و الثائرة من ناحية وإستفادة من تجاربهم في البياض من ناحية أخرى. ولا أنكر ههنا العلاقة مابين الخالق و المخلوق ، أو القلم و الورقة في رمزية العمل الفني و كاتبه ، فالكاتب يستحضر نفسه في جزء من نواياه الإبداعية في العمل الفني ، وليس بنفسه و شخصه بقدر ماهي تجارب وقناعات ، إيمان و إنتماءات و إشارات ضمنية ، ولكن ذلك سرعان ما يتحطم على بياض الورق لأنها طريقة إنسانية وليست أدبية للتخيل ، لذا فهي لا تنجح فنيا ‘ فمعيار نجاح العمل الفني هو قابليته للطرح تحت العديد من الترجمات و الشروح ، وذلك لان المباشرة ، تقتل الخيال وتقلل من جمالية الخروج عن النص ، والإنتقال من دائرة المتوقع إلى المستحيل ، مثال ذلك و الذي يطرق باب عقلي دوما هو غناء الحوريات في ملحمة هوميروس الخالدة الأوديسا ، و اللائي كن يغنين لرجال ومقاتلي أوديسوس العظيم بطل الملحمة ، ليهرعوا إليهم في البحر فيقتلهم ذلك الهادر ، فالجمالية ههنا تكمن في أن لكل فرد من هؤلاء المقاتلين زوجة أو حبيبة أوعشيقة أو حتى حلما حمله له ذلك الغناء الحوري الإغواء مناديا له و مطالبا بحضوره ، فالغناء واحد ولكن لكل مقاتل منهم خياله وأفقه وحلمه وحبيبته ، ولأن هوميروس كان خائفا على رجاله ومقاتليه فقد أمرهم أن يسدوا أذانهم بالشمع ، فيظل الخيال حبيسا داخلهم ولا يطالهم ذلك الخيال الآخر المغوي.
لذا فمن التعسف الرقابي محاسبة الخيال على الخيال ، والشاعر عن الخيال ، فهو – الشاعر – لم يتعد خطوطا حمراء بل الخيال فعل ،والخيال كائن أسطوري الحضور واقعي التأثير نال من سطوة الخلود مالن تقتله حراب الرقابة ، فأوديسوس الرقيب لم يسلم هو من الخيال ، إلا عندما أنقذه رجاله الذين راقب خيالاتهم و غفل عن خياله من أن يقتله البحر الهادر.
إن متلازماتنا الرقابية السياسية منها و الثقافة و الدينية ماهي إلا سرطان أصاب إنسانيتنا الحضارية و الثقافية والتاريخية و الكونية في كينونتها الأولى و الأخير : الخيال ، في زمن ماعاد للشمع فيه من ذلك التأثير

 

Add comment


Security code
Refresh