لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية » مقالات و أبحاث » الحـاضـر غـائب والغـائب حاضـر | د.عزمي بشارة
الأربعاء, 28 يونيو 2017

الحـاضـر غـائب والغـائب حاضـر | د.عزمي بشارة

إرسال إلى صديق طباعة PDF

bashara- الحـاضـر غـائب والغـائب حاضـر | د.عزمي بشارة

  

 

 

تحوّل العرب داخل خطوط الهدنة، التي تكنى «خطا أخضر»، إلى أقلية من 150 الف عربي داخل دولة يهودية، لأن الأكثرية شُرِّدت، وتحولت الى لاجئين. قضية اللاجئين الفلسطينيين وقضية ما يسمى «العرب في إسرائيل» الذين يربو عددهم على المليون مواطن حاليا، هما تاريخيا توأمان. كلاهما نشأ عام 1948.
وإسرائيل من الدول الإيديولوجية القليلة المتبقية صاحبة مشروع. يسمى مشروعها «جمع الشتات»، كما يسمى «تهويد الارض وتهويد العمل»، إضافة إلى «دولة اليهود»، و«الدولة اليهودية». وهي تعلن نفسها دولة لكافة اليهود في العالم. إنهم حاضرون في التشريع (قانون العودة)، وفي الإيديولوجيا، وفي بنية الدولة ووظائفها، وفي حقوق المواطنة (إذا رغب أي منهم أن يأتي بلادنا ويحصل عليها) حتى وهم غائبون.
العرب الذين بقوا في الداخل غائبون بالنسبة للدولة فيما يتعلق بتاريخ البلاد، وهم أعداء حين يتعلق الأمر بالملكية على الأرض، وهم خصوم لها حين يصرون على حقوقهم السياسية القومية. الغائب، إذاً حاضر، والحاضر غائب في بلادنا.

عن تعامل العرب مع «عرب الداخل»

لم يكن لدى التيارات السياسية العربية ومنها التيار القومي العربي الذي حدد الخطاب السياسي لفترة طويلة تصور لكيفية التعامل مع قضية العرب الذين بقوا في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948، وأصبحوا مواطنين في إسرائيل. ولا أظننا نبالغ إذا قلنا إن التوجه إليهم تراوح بين اعتبارهم إسرائيليين واعتبار العلاقة معهم تطبيعاً، وبين اعتبارهم أسطورة صمود. ولم يترتب ذلك على تغيّر في التشخيص او المنهج، وإنما نتيجة تغيّر الأوضاع العربية. فمن يريد أن يحارب ينزع لرؤية الكيان بمجمله كعدو، ومن يريد تسوية وتطبيعا ينزع إلى النفور من القوى الوطنية الجذرية وإلى تجميل المتأسرلين من عرب الداخل كأنهم وطنيون.
وتجنب أي علاقة تطبيع مع إسرائيل يعني تجنب أدواته، وقد تكون هذه الأدوات عرباً في أحزاب صهيونية أو حتى أحزاب عربية من الداخل. فبعضهم يقبل أن يكون أداة تطبيع «وجسر سلام». ومن ناحية أخرى لا بد من إيجاد السبل للتواصل مع القوى الوطنية في الداخل، والمقصود هو التواصل الذي يصب في اتجاه تنظيم العرب في الداخل على أساس أنهم جماعة قومية هي جزء من الشعب الفلسطيني والأمة العربية. وفي جميع الأحوال يجب الا تكون هذه الصلة ممراً للتطبيع.
ولا شك في أن التواصل مع التيار الوطني، القومي والإسلامي، المنظم في الداخل والاستماع الى تقييماته للأوضاع المركبة داخل فلسطين هو أفضل من اعتماد وسائل الإعلام الإسرائيلية، أو اعتماد التصريحات والانطباعات الإعلامية وحدها. وبعض السياسيين العرب في الداخل يتحدث في المحطات الفضائية العربية ما يخالف دوره الحقيقي في الداخل أو ينطق بالعربية بموقف وبالعبرية بموقف آخر... وهم معروفون ولا داعي للإسهاب. وليس كل من يتحدث العبرية هو خبير في إسرائيل كما أنه ليس كل من يتحدث العربية خبير بالمجتمعات والدول العربية.
والتحدي هو عدم السقوط في تعميمات من نوع تخوين الجميع (فهنالك الكثير من الوطنيين)، أو تحويل الجميع إلى أبطال (فهنالك الكثير من المتأسرلين والعملاء، وهذا ليس مستغرباً في ظروف مواطنة إسرائيلية). ولا بد من الحذر في هذا الشأن، لأن التعددية الحزبية العربية تعمل داخل الإطار الاسرائيلي البرلماني وغير البرلماني. وهي تعبر عن ذاتها وتتناقش فيما بينها بأدوات إسرائيلية من ضمنها الإعلام الإسرائيلي. أما الإعلام العربي المحلي فهو حتى حين تتوفر النيات الحسنة ممول من الدعاية التجارية والحكومية ومن الوزارات المختلفة والشركات الكبرى.
والمسألة التي نناقشها هي إمكانية بناء حركة وطنية فلسطينية وتيار قومي في ظروف المواطنة الإسرائيلية. والإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة على الإطلاق، إذ لا وجود لبنية طبقية عربية منفصلة عن البنية الطبقية للمجتمع الإسرائيلي، وكذلك لا وجود لعمل سياسي فعلي على نطاق واسع خارج إطار الحقوق السياسية التي توفرها المواطنة. بهذا المعنى ومن دون قاعدة اجتماعية طبقية تسندها، تبقى قوة الحركة الوطنية إلى حد بعيد مسألة معنوية وسياسية ذات علاقة مباشرة بالوعي السياسي، ووعي التمييز العنصري والاستغلال الطبقي. والوعي السياسي يتأثر إلى درجة كبيرة بالأوضاع السياسية على الساحة العربية في العالم العربي. فكلما ازدادت أزمة المشروع العربي، وكلما تفاقمت المسألة الطائفية في بعض الأقطار العربية مثلا، ينعكس ذلك فورا على شكل انتكاسٍ للوعي العربي في الداخل بشكل ملحوظ.
تبدو محاولة ربط النضال الوطني بالديموقراطية في الاراضي التي احتلت عام 1948 أكثر سهولة من أخواتها في الوطن العربي لأنها لا تتحدى نظاماً عربياً، ولأنها تطرح الديموقراطية في سياق وطني هو سياق الصراع مع الصهيونية. وليس من البطولة ولا من الإقدام طرح تناقض الصهيونية مع الديموقراطية على جبهات مثل مطلب المواطنة المتساوية، وفصل الدين عن الدولة وأنظمة الطوارئ وغيرها. وقد احتاج هذا الطرح الديموقراطي المناهض للصهيونية إلى إبداع فكري وليس إلى بطولة، ولكن ممارسته باتت تحتاج إلى جرأة أكبر، ونفس نضالي أعمق بعد أن شخصته المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة كأحد أخطر التحديات التي تواجهها، وصار حملة هذا الطرح من التيار العروبي الديموقراطي يتعرضون إلى حصار سياسي وإعلامي إسرائيلي يجند معه قوى ومؤسسات عربية، كما يتعرضون إلى ملاحقة بوليسية ومخابراتية، ويتوقع أن تزداد شدة هذه الملاحقة. ولكن نضالهم مثمر على مستويات عدة، منها المستوى الفلسطيني بشكل عام.

رمادية كل نظرية، وخضراء يانعة هي شجرة الحياة (مع الاعتذار لغوته)

كنا قد طرحنا نموذجاً يسمح بتشخيص نزعات التطور المستقبلي لمجتمع عرب الداخل المتشكل من سكان القرى والبلدات الذين بقوا بعد النكبة على أرضها ومن لجأوا اليها (انظر كتاب «العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1997 بشكل متواز في بيروت ورام الله) وذلك بفعل صيرورتين متزامنتين:
1- عملية أسرلة موضوعية، أو مادية إذا صح التعبير، تتجلى لاحقاً في نشوء ثقافة سياسية تابعة، ومشوّهة، متولّدة عن الواقع المادي دون وساطة الوعي الوطني، أي متولّدة مباشرة عن التهميش الاقتصادي الاجتماعي الحقوقي للعرب في إطار كيان قام على أنقاض الشعب الفلسطيني.
2- صيرورة تشكُّلٍ وطني. وتتولد هذه الصيرورة عن عملية إقصاء المجتمع والدولة الإسرائيليين للمواطنين العرب بفعل سياسة التمييز العنصرية الإسرائيلية من جهة، وعن تشكل العرب والهوية العربية في عملية تواصل لم ينقطع مع تاريخ البلاد وماضيها القريب، ومع بقية أجزاء الشعب الفلسطيني والمنطقة العربية عموماً من جهة أخرى.
كان مولِّدا الهوية الاساسيان هما النبذ الناجم عن التمييز العنصري، والجذب الناجم عن المشروع العربي الصاعد في حينه في أكثر من دولة عربية. ومع الزمن تعقدت القضايا، أو تركّبت. لا عاد النبذ مطلقاً، ولا استمرّت جاذبية المشروع العربي، واستحالت الى نفور من بعض نتائجه المتجسدة في واقع المجتمعات والأنظمة العربية. منذ تلك الفترة كانت مقاربتنا أن الهوية ليست معطى أبدياً، بل هي نتاج اجتماعي ثقافي متشكّل ومتغيّر. وأنها سوف تتغير بفعل تغير عناصر الجذب والنبذ. وأصبح الصراع على الهوية العربية قضية نضالية لا بد أن ترتكز الى وعي مصلحة المجتمع ذاته. فالبديل منها هو القبول بالمواطنة من الدرجة الثانية والثالثة، والتفتت الى عشائر وطوائف. وقد انطلق تحليلنا لواقع عرب الداخل السياسي من التالي:
1- لا يمكن أن نفهم مسألة عرب الداخل بنيوياً مجردة من تاريخ نشوء هذه المسألة. فإسرائيل ليست دولة وطنية عادية تعيش فيها أقلية عربية تتعرض للتمييز أو الإهمال (أو تعيش فيها أقليات دينية بموجب الخطاب الاستشراقي الصهيوني). العرب فيها هم سكان البلاد الأصليون. أما الممارسات الإسرائيلية التي تتضمن مصادرة أراضي العرب في الداخل ومحاصرتهم وتجميعهم ديموغرافيا، والعمل على إعادة تشكيل هويتهم الثقافية بما يتلاءم مع متطلبات احتوائهم كأقليات متنافرة في دولة يهودية، فهي ليست مجرد مركبات في سياسة تمييز في الحقوق المدنية، بل تشكّل استمراراً تاريخياً لمسألة استعمارية هي قضية فلسطين.
2- لا يكفي فهم تاريخ القضية الفلسطينية وكيفية تحول هذا الجزء من الفلسطينيين إلى أقلية في بلدها في فهم واقعه الحالي. يكفي المنهج التاريخي لفهم نشوء هذا الواقع واستمراره. ولكن هنالك ما يميّز حاضرهم عن التاريخ السابق عليه، وإلا لما تميزوا عن بقية التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي دول الشتات الفلسطيني. إنهم يتميزون عن بقية الفلسطينيين بأنهم تحوّلوا إلى مواطنين (غير مرحب بهم) في الكيان الذي قام على أرضهم، بصرف النظر الآن عن نوع هذه المواطنة ومن أية درجة هي. كان هذا ثمن البقاء، وما زال.

أدى الأمران معاً إلى تغيّرات في نمط السلوك السياسي والثقافة السياسية السائدة، خاصة أن 90% من العرب الذين يعيشون في الداخل حالياً ولدوا بعد النكبة، أي ولدوا في ظل هذا «الواقع الإسرائيلي»، بما فيه من متغيّرات ثقافية تمس حتى اللغة العربية في الداخل، وأقصد لغة المخاطبة اليومية ولغة الصحافة واللغة السياسية.
إن المفارقة الاجتماعية الكبرى التي عاشها العرب في الداخل تتمثل في أن عملية التحديث هي عملية إسرائيلية، بل هي عملية أسرلة. وهي ليست صيرورة بناء أمة إسرائيلية من مواطنين بل عملية تهويد ومصادرة وتهميش للسكان الأصليين.
3- من قارب موضوع العرب في الداخل بمنهج بنيوي مختزل قد أخطأ منهجياً في فهم تميُّزِهم (نقصد تميّزهم عن أقليات مهاجرة في دول أوروبية مثلاً) إذ تجاهل الطابع الكولونيالي لإسرائيل. وإضافة الى ذلك قادته هذه المقاربة إلى طرح مسألة المساواة كما تطرح في حالة المهاجرين في الدول الديموقراطية، أي كمطلب اندماجي. وقد يتطوّر إلى طلب الاندماج في أجهزة الأمن، وفي جهود السلام، وفي الدبلوماسية الإسرائيلية!! ولا يوجد في الواقع خيار اندماجي حقيقي أمام العرب في دولةٍ، لا هي دولة مواطنين، ولا تهدف لبناء أمة من المواطنين، ولا هي دولة تعترف ببنية ثنائية القومية.
من ناحية أخرى، فمن قارَبَ موضوع عرب الداخل من زاوية النظرة التاريخية وحدها انتهى إلى عجز أمام فهم السلوك السياسي والثقافة السياسية السائدة عند عرب الداخل من التصويت إلى أحزاب صهيونية (89% صوتوا الى أحزاب صهيونية في انتخابات الكنيست في العام 1949 خوفاً، كتعبير عن سلوك المهزوم؛ وحافظت الأحزاب الصهيونية على أغلبية حتى ما بعد «يوم الارض» اي حتى انتخابات عام 1977 حتى نشوء أحزاب وقوى «عربية إسرائيلية»، أقصد أنها إسرائيلية المسلك والمنشأ والثقافة ليس خوفاً، بل تشوّهاً) بالإضافة الى وجود قوى وطنية عروبية وإسلامية تحاول أن تشق لها طريقاً في هذا الواقع المركب.
4- ينتج هذا الواقع كماً هائلاً من التناقضات والتشويهات... من الانضواء تحت لواء الأحزاب الصهيونية، وتشكُّلِ شخصية «العربي الإسرائيلي» الذي قد يخدم المؤسسة الحاكمة في حزب صهيوني او بالتجند في الأجهزة الأمنية والجيش وجهاز السجون، وحتى إقامة أحزاب عربية قولا وإسرائيلية في الممارسة والواقع. كما نشأ في ظل التنافس الانتخابي تحت السقف الإسرائيلي نواب الخدمات الذي يتواسطون بين مطالب المواطن الفرد والسلطة الإسرائيلية الحاكمة بلغتها، أما الموقف الوطني عند هؤلاء فلا يمارس في إطار العلاقة المطلبية مع المؤسسة الحاكمة، بل يُمَارسُ خطابةً في الإعلام العربي. ويبدو هذا السلوك ممكناً، خاصة أنه في ظروف نشوء تيار في الدول العربية المحيطة يجاهر بالتطبيع، فقد انتقل قسم من الرأي العام العربي من موقف خاطئ هو تخوين عرب الداخل بشكل عام إلى موقف خاطئ آخر هو اعتبار كل ما يقوله عربي بصوتٍ عالٍ داخل إسرائيل بطولة...

ملاحقة التيار العربي الديموقراطي

عندما توفر الفكر والمبدأ والتصميم أصبح بإمكان التيار العربي الديموقراطي قلب كل قضية الى نقيض للصهيونية. فمثلا لم يكن لدى إسرائيل في الماضي، وليس لديها أي مانع حالياً من ان يقوم مواطنوها العرب بزيارات حتى لدول عربية تعرّفها هي كدول عدو. إذ يفترض أن يأتي المانع من الدول العربية الرافضة للتطبيع مع الجواز الاسرائيلي. وقد مكَّنت إسرائيل في الماضي وفوداً ونواباً عرباً في الماضي من زيارة دول مثل سوريا واليمن. فهي تعتبر مثل هذه الزيارات إذا تمت بإذن منها وبتنسيق معها نوعاً من التطبيع. وما زالت تعتبرها كذلك. ولكن ثائرة المؤسسة الصهيونية ثارت عندما باشر التيار القومي التواصل مع الدول العربية، كعربي وليس كـ«عربي إسرائيلي». لقد بلورنا تياراً سياسياً يرفض ان يطلب من إسرائيل إذناً للتواصل مع العرب. وذلك أولاً من الناحية المبدئية، وثانياً لكي لا تتحكم هي بنوع العلاقة، وذلك بقدرتها على التحديد لمن تمنح الإذن ولمن لا تمنح. هنا بدأت عملية ملاحقة قانونية لهذا التيار وسن قوانين تسمح بمحاكمة ممثليه. بذلك أوضح التيار العروبي في الداخل بحدّة الفرق بين التطبيع وبين التواصل على أساس قومي.
اجتمعت أربعة مركبات في طرح واحد وأدت الى ملاحقة التيار العربي الديموقراطي في الداخل، وإلى ملاحقة كاتب هذه السطور مباشرة: (أ) التمسك بالهوية العربية الفلسطينية في مواجهة الأسرلة، (ب) دعم الحق في مقاومة الاحتلال، (ج) طرح دولة المواطنين، اي طرح المساواة على مسار معاد للصهيونية، (د) التواصل مع الأمة العربية لإخراج عرب الداخل من قفص الأسرلة مع رفض دور التطبيع وجسر السلام وغيره. وهذه كلها نقيض مشروع إنتاج «العربي الاسرائيلي» وكادت أن تقوضه تقريباً بعد عقود من العمل المؤسسي المنهجي لدولة بكاملها. فكيف لا يغضبون؟
وفي الوقت الذي بودر فيه الى سن العديد من القوانين التي تهدف إلى تضييق مجال العمل السياسي على القوى التي تعتبرها إسرائيل راديكالية، وحين تعرّضت هذه القوى بما فيها التيار الإسلامي، لملاحقة سياسية وأمنية، حدث ما توقعنا منذ العام 1998. وهو اتجاه المؤسسة الإسرائيلية لتعيين وزير عربي، ذلك لأنه يسهِّلُ على المؤسسة الإسرائيلية احتواء مطلب المتأسرلين وأحلامهم. فهي تتجه من التمييز العنصري البسيط الى التمييز المركب القادر على احتواء مطالب رمزية، وتنفيس الاحتقان، وتورط جزء من العرب مباشرة في المسؤولية عن سياسات الدولة العنصرية. لقد تم تعيين وزير عربي مرتين في حكومات إسرائيل أحدهما في حكومة شارون الأولى.
وفي مقابل توسيع هذا النمط من فهم «الحقوق» كاحتواء في سياسة التمييز القائمة، وهذا النموذج من «المساواة»، تطرح الحكومة الإسرائيلية مسألة الخدمة الوطنية الإسرائيلية على العرب كبديل من الخدمة العسكرية، وكشكل من أشكال تعبير الشباب العرب عن «الولاء للدولة»، ولخلق فضاء سياسي «عربي إسرائيلي» ولإزالة الحاجز النفسي تدريجياً بين الشاب العربي والخدمة العسكرية.
ولكن محاولات التحكم في أجندات المجتمع العربي وإعاقة تنظيمه على أساس قومي تأتي من المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة، ومن مصادر أخرى أيضاً. فمن الظواهر التي نشأت في العقد الأخير ولوج مؤسسات التمويل الاجنبية، الأوروبية والأميركية، ساحة العرب في الداخل، كما فعلت قبل ذلك طيلة عقود في الضفة الغربية وقطاع غزة حاملة أجندة شبيهة جداً بأجندة حزب العمل الإسرائيلي في دعم المعتدلين ومحاربة المتطرفين، واحتواء مثقّفين في صناعة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وإبعادهم عن الفعل السياسي المباشر، ونشر ثقافة التعايش عند الشعب الواقع تحت الاحتلال وحده، والتحكم بأجندة ما يسمّى «التمكين» و«التنمية السياسية» في مواجهة التنظيم السياسي والأجندة الوطنية وحاجات المجتمع العربي. ولدينا سوابق في الضفة الغربية وفي دول عربية جرى فيها بهذه الطريقة إبعاد كم كبير نسبياً من المثقّفين، خاصة العلمانيين واليساريين عن دائرة العمل السياسي والوطني، أو إخضاع عملهم لأجندة صناديق الدعم الغربي.
ويجري بشكل واضح حرمان المؤسسات ذات الأجندة الوطنية المستقلة من التمويل بما فيها المؤسسات الثقافيّة والبحثيّة التي تضع نصب أعينها إجراء أبحاث بأجندة وطنيّة مستقلّة. وكان اللافت هو دخول حتى صناديق دعم مالي يهودية أميركيّة صهيونيّة ساحة العمل في أوساط العرب في الداخل بعد الانتفاضةِ الثانية، وذلك بعد أن كان دعمها يقتصر في الماضي على المجتمع اليهودي. ويمكن النظر الى هذا الإجراء كخطوة استثنائية لأسباب سياسية متعلقة بدعم «الاعتدال» و«تشجيع» نزعات التعايش مع الصهيونيّة عند العرب، من دون تغيير سياسة الدولة ذاتها.
يزداد الواقع تركيباً إذاً، ولكن التركيب يفرز في تطوره الصراعات نفسها على مستوى أعلى. فالقوى نفسها التي كانت تعارض تطوير رؤية بديلة من رؤية المؤسسة الحاكمة لمستقبل عرب الداخل كشعب، استسلمت لرغبة العرب أن تكون لهم مؤسسات وجمعيات مثلا. ولكنها تحاول الآن التحكم بها عبر التمويل وغيره، وتحوّلها إلى أدوات رقابة وسيطرة وتكريس نهج «اعتدال»... ينطبق صراع الأضداد هذا على التطورات كافة. فقد استسلمت الدولة لمطلب العرب في تحصيل حصص من الوظائف وفرص العمل، بعد مجموعة قوانين قام كاتب هذا المقال باقتراحها وتمريرها في البرلمان. فهي بدلاً من أن ترفض المبدأ تحاول الآن ان تتحكّم بالعدد والنوع ومواقف الناس الذين يتم تعيينهم، كما تطالب بالولاء وفرض الخدمة الوطنية الإسرائيلية على الشباب العرب في المقابل. لا يتوقف التطور بعد تحقيق مطلب ما، بل يعاد إنتاج أطراف التناقض نفسها والصيرورات المتناقضة نفسها على حلبة أخرى على مستوى أعلى.
لقد تزامن الوعي بحقوق المواطنة وتصعيد المطالبة بالمساواة مع ازدياد الوعي الوطني عند المواطنين العرب أنفسهم. لم تأتِ الوطنية على حساب المطالبة بالمساواة، بل تكامل المطلبان في الصيرورة التاريخية بغض النظر عن وجود أكثر من تناقض بينهما على مستوى المفهوم، فواقع الناس الحياتي اكثر تركيبا. وتقع قوى سياسية عربية ضحية هذا التناقض على مستوى المفهوم فتعتبر ان الابتعاد عن الوطني هو شرط تحقق المدني، والعكس صحيح.
مع نشوء الحاجة إلى ضرب هوية المواطنين العرب الوطنية، خاصة بعد أن أصبحت بنظر المؤسسة تشكل تهديداً، تبنّت إسرائيل ومعها الحالة الإسرائيلية في المجتمع العربي في الداخل مجموعة آليات للتعامل، منها العودة إلى وسائل قديمة ومجرّبة لتفسيخ الوعي الوطني بواسطة إحياء نفوذ ممثلي النعرات الطائفية والعشائرية، وآليات أخرى منها وضع حدود جديدة قانونية لشرعية العمل السياسي العربي، بالترهيب المباشر وبتشريع القوانين الملائمة. ومنها أيضا إطلاق النار على المتظاهرين ومحاولة ردع وترويع الناس، ثم إقامة لجنة تحقيق لاحتوائهم، ثم عدم احترام نتائجها، ثم إثارة نقاش حول عدم احترام نتائجها، ثم إلقاء اللوم على الضحية وهكذا... ولكن الطريقة الجديدة التي بزّت قريناتها هي محاولة التأثير على مستوى الثقافة السياسية والسلوك السياسي والأخلاق والقيم السائدة.
يجري في الثقافة السياسية «العربية الإسرائيلية»، وبحجة النزعة الواقعية والعملية نشر، وتكرار نشر تصور يختزل الناس إلى مجرد ساعين لتحقيق مآرب فردية، بما في ذلك إلحاق ضرر بصورة الإنسان نفسه... وعلى هذه الصورة يراد أن يصمم شكل القيادة السياسية كقيادة نيابية برلمانية مطلبية تحقق مطالب فردية بواسطة العلاقة الجيدة مع الوزارات الإسرائيلية، وهذا هو مقياس «شطارة» النائب في ظل هذه الثقافة السياسية.
القيادة السياسية هي قيادة سياسية أولا. ويقاس عملها حسب الظرف التاريخي بقدرتها على إثارة قضايا ومعالجتها بموجب الخط السياسي الذي انتخبت على أساسه، وبقدرتها على المطالبة بتحسين ظروف حياة الناس وفضح سياسية التمييز، وتنظيم النضال ضدها وطــرح بدائـــل منها، والحفاظ على الموقف الوطني والعقلاني في آن. ولكن نزعة الحياة على الهامش كنصف عربي وبنصف حقوق تؤدي أيضاً إلى نزعة العزوف عن السياسة إلى درجة زرع السؤال في أوساط البسطاء عشية الانتخابات للبرلمان: «وما حاجتنا إلى قيادة سياسية؟».
لقد صادروا الدولة والوطن. ويريدون إلهاء السكان الأصليين بصراع على السيطرة على بلديات ومجالس محلية ضامنين بذلك أمرين: تفسيخ المجتمع ومنع تطور مؤسسات قيادية مركزية في عملية بناء وتشكل شعب، وحشر العرب في الصراع على جزء ضئيل من مقدرات ومصادر وإمكانيات الدولة التي يعيشون فيها.
في مقابل التهمة الموجهة للوطنيين أنهم يهملون حقوق الناس المدنية والانشغال بقضية الشعب الفلسطيني يمكننا أن نجزم أنه في التاريخ القصير لعرب الداخل أن من فرّط بالموقف الوطني فرط أيضا بالحقوق المدنية وتمسك بفتات المائدة في إطار نظام من الواسطة والزبونية للمؤسسة الصهيونية له ولأقاربه ومقايضتها بمواقف. كان الموقف الوطني دائماً هو شرط التمسك بالحقوق المدنية.

لماذا ليس بوسع الحركة الوطنية تجاهل مسألة المواطنة؟

لأن الابتعاد عنها هو ابتعاد عن حياة الناس، وتشرنق داخل الشعار السياسي، وتحويل القوى الوطنية الى قوى هامشية في المجتمع العربي في الداخل. لقد تحول التيار الوطني الى تيار رئيسي لأنه فهم ذلك.
1- نشأت داخل الأقلية العربية في إسرائيل طبقات وسطى جديدة وقطاعات عمالية وأجيرة واسعة وفئات مثقفين مرتبطة بالمواطنة الإسرائيلية وبتوسيع الحقوق في إطار هذه المواطنة؛ 2- ولّدت عملية مصادرة الأرض وزوال الزراعة العربية اندماجاً معيشياً على هامش الاقتصاد الإسرائيلي، ولم تنشأ خلال السنين الستين الماضية عملية إنتاج عربية أو اقتصاد عربي مستقل يشكل أساساً لنزعة انفصالية من أي نوع؛ 3- ازداد الوعي العربي المحلي للطاقة الكامنة في المواطنة سياسياً واجتماعياً خاصة على مستوى الحقوق؛ 4- طرأت تحولات هامة على السياسة والمجتمع والاقتصاد أدت إلى ارتفاع مستوى المعيشة بشكل مطرد في العقدين الأخيرين بما في ذلك مستوى معيشة المواطنين العرب وذلك رغم اتساع الهوة بينهم وبين اليهود بالمقاييس النسبية؛ 5- توسّعت حقوق المواطنة بشكل عام نتيجة لسلسلة من التشريعات اللبرالية وقرارات المحكمة العليا بما يتلاءم مع تطور المجتمع اليهودي الإسرائيلي نفسه. ومؤخرا حصلت ردة حقيقية في عملية اللبرلة هذه حين بدأت القوى العربية الوطنية بالاستفادة منها. فعادت الى حدودها المقصودة أصلا، وهي حدود المجتمع اليهودي.
إضافة لهذه التطورات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية علينا أن نأخذ بعين الاعتبار متغيّرين أساسيين كان لهما أعظم الأثر في المزاج السياسي للمواطنين العرب: 1- أزمة المشروع القومي العربي منذ بداية السبعينيات، هذه الأزمة التي وصلت قمتها في حرب الخليج الموسومة بـِ «حرب الكويت»، 2- ولوج حركة التحرر الوطني الفلسطيني بعدها وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي «عملية السلام» كعملية تسوية تهدف إلى إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وهبوط توقعاتها من العمل الوطني داخل الخط الأخضر إلى درجة الاقتصار على توقعها أن يدعم العرب في الداخل «العملية السلمية» وأن يدعموا مواقف السلطة الفلسطينية في المفاوضات.
لم يعد بإمكان الحركة الوطنية ولا بإمكان التيار القومي إدارة الظهر لموضوع المواطنة. فهو لم يولها الأهمية اللازمة عندما احتلت مكاناً أقل أهمية على جدول أعمال المواطنين العرب، فتصدّرت العمل المطلبي قوى انتهازية أو قوى متأسرلة وصهيونية. ولقد لوحظ فعلاً ازدياد قوة نزعة اندماجية ترافق مطلب المساواة منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي. وكادت هذه النـزعة تؤدي إلى زوال الفرق بين أحزاب اليسار الصهيوني والأحزاب العربية. ومع إقامة التجمع الوطني الديموقراطي حصل انقلاب في الخطاب السياسي العربي في إسرائيل باتجاه تأطير مطلب المساواة ضمن مشروع دولة المواطنين بحيث اشتُقَّت منه مطالب «مساواتية» لم تخطر ببال القوى السياسية الفاعلة في المجتمع العربي حتى ذلك الوقت، كما طرحت أفكار ترمي إلى تجذير الهوية العربية الفلسطينية على مستوى الخطاب السياسي مما اضطر القوى السياسية الأخرى الفاعلة على الساحة العربية إلى مجاراة التجمع والتراجع عن لهجتها الاندماجية. كما حصل انقلاب آخر على مستوى آخر وخطاب مختلف مع انشقاق الحركة الاسلامية وقيام ما سمي بتيار «الحركة الإسلامية الشمالية».
ليس خيار الانفصال وارداً عند العرب داخل الخط الأخضر. وهو غير وارد جغرافياً، ولا اقتصادياً، ولا سياسياً. فالعرب هنا لا يعيشون على وحدة جغرافية واحدة أو اثنتين كما هي الحال في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يشكلون وحدة اقتصادية تعيد إنتاج ذاتها، ولو نسبياً، باستقلال عن الاقتصاد الإسرائيلي. ونشاطهم السياسي، بما فيه إقامة الأحزاب، يتم ضمن حدود وحقوق المواطنة.
من ناحية أخرى إن الصفة العربية الفلسطينية للمواطنين العرب سابقة على قيام الدولة الصهيونية. هذه صفة جماعية، وليست فردية. وهي سابقة تاريخياً على صفتهم كمواطنين في إسرائيل، وذلك رغم مطلب الاعتراف بهم كجماعة قومية ضمن القانون الإسرائيلي، بحيث يترتب على هذا الاعتراف حقوق جماعية تعترف بها الدولة العبرية كحقهم في الحكم الذاتي. ولكن علينا أن نتذكر أن قوميتهم ليست مرهونة بهذا الاعتراف.
لذلك، قبل أن تضطر هذه الدولة إلى التعامل مع المجتمع العربي في إسرائيل كجماعة قومية يتوجّب على المجتمع العربي أن يطرح ذاته كجماعة قومية أصيلة منظمة في مؤسسات وليس كمجموعة من الطوائف أو الأقليات.
لا بد إذاً من طرح المواطنة ليس بتناقض وإنما بتناسق مع الموقف السياسي والقومي بحيث لا تتحول مطالب المساواة إلى عملية أسرلة وصهينة وتهميش. والتقدم في النضال المطلبي لا يتم إلا ببوصلة «دولة المواطنين» التي تشير الى تناقض مع صهيونية الدولة.

Add comment


Security code
Refresh