لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية » مقالات و أبحاث » الفعل ورد الفعل (1) : الحرية و الرقابة | عبدالله البياري
الأربعاء, 28 يونيو 2017

الفعل ورد الفعل (1) : الحرية و الرقابة | عبدالله البياري

إرسال إلى صديق طباعة PDF

abdullah_al_bayyaryالفعل ورد الفعل (1) : الحرية و الرقابة | عبدالله البياري

" قانون الفعل و رد الفعل لا ينطبق على المواهب الفكرية ، لأن الفكر يجب أن ينأى بنفسه عن أن يكون مجرد "رد" لفعل، بل الرد هو من خصائص القوى اللا فكرية كالمؤسسات العسكرية"



إرتأيت أن أبدأ مقالي ههنا بالعبارة السابقة ، و التي أرى أنها خير وصف على ما سيرد تباعا في ما يختص بالعملية الفكرية في بلادنا، بداية من تعاريفنا الموتورة والمجحفة للحرية، و التي نتجت من إستيعابنا الغير مكتمل لل"فكر"، وأثر ذلك في تقبلنا للإختلاف و التغيير مرورا بالكثير من الآليات المفرخة لمظاهر (عسكرة الفكر) كالرقابة بجميع صورها والسلطة الثقافية والدينية والسياسية.
إن سيطرة الفكر الثوري - وسيتضح مدى مغالطة التسمية – لأغلب نواحي الحياة في بلادنا لما يزيد عن الربع قرن في أفضل الأحوال، إنما ساعد على تسرطن الفكر العسكري وأحادية القطب في كثير من مؤسساتنا ومنشأتنا وصولا للأسرة و هي اللبنة الأولى و الأهم في المجتمع، مع أننا فعليا و تاريخيا لم نتخط المرحلة الوسطى من الثورة، ألا وهي العسكر، فالثورة لاتقف أبدا على كتف رجل عسكري مهما كان كتفه لامعا، إنما هو يقدمها و يرحل، ولكن ذلك لم يحدث في بلادنا - على الأقل ليس بعد -، فقد أغوته بجمالها، و ثار الثائر على ثورته، وتوقف بنا الزمن على عتبات مرحلة الامرحلة، و عاد بنا لعصر الجواري و ملك اليمين ، لتصبح الثورة حينها جارية لدى عسكرها، تشكر له مواقعته لها كل عام مرة على رؤوس الأشهاد، ليثبت لهم فحولة ماكانت لتكون له، وعذرية أدمت صاحبتها بآدابها وفنونها وثقافتها وشعرها ونثرها ..وحتى أهلها، ليتناثر كل ذلك دما على وجوه الحاضرين وتاريخهم، وتغرق صرخاتها بين صرخات المحتفلين في طقوس عصور الوثنية الأولى .
وكانت تلك البداية لحلقة مستمرة من مسخ جميع مسلمات الحياة الإنسانية، فدخولنا عصر عسكرة الفكر، أصبحنا لانتعامل بغير لغة الأوامر و النواهي و أحادية السلطة بدل إنسانيتها، فلا مكان للصحة و الخطأ، فقد تم إحتكار الصواب، ليصبح التفكير تكفيرا، وتصبح العلاقة الفكرية هي منظومة إقصاء و ليست إستقصاء.
أصبحت الحرية الفكرية حقا مكتسبا ، يستوجب شكر و لي النعم، لمباركته الفعل الإنساني الأول والأكثر بدائية و أصالة بأوراق ثبوتية تحمل إسمه أو إسم أحد زبانية فكره بحبر أزرق فوق كل الألوان، ذلك الفعل هو إرادة أكل التفاحة.....بحرية.

إن ما تشهده ساحات وطننا العربي الثقافية و السياسية و الدينية، من إقتصار الفكر ليكون فقط فعلا أو ردا لفعل فقط، ما هو إلا نفي لأهم أساسيات الفكر وهي الحرية المطلقة وجعله متحركا على مستوى أفقي واحد، في حين أن الفكر لا يتحرك سوى في الفضاء كاملا، ولكن ذلك المستوى الأحادي إنما وجد ليضع الفكرة كما الفرد عرضة للقبول أو الرفض برد مناسب للفعل، وليس الصحة أو الخطأ.
وهنا يظهر دور المؤسسات الدينية  و الثقافية والسياسية، و التي تمنح صكوك الغفران للأفكار و الأفراد، وتصم الكفر و الفسوق بالبعض الآخر، لإسباغ الغضب الإلهي عمن خرج عن خط الفعل ورد الفعل......فعلهم.
وكأن الفعل- الفكر يستقي صفته من فضاء الرد على على فعل آخر، يعطيه شرعيته بكينونته كفعل أول لا بتميز الفكر و حريته وتفرده الحر، لتكن حينها الفكرة معرضة للقبول أو الرفض ، ومن ثم المباركة أو الرمي بالكفر و فجور و العصيان في تمثيل أوقح ما يكون للألوهية ، فأصبحنا في دار عبادة كبير كبر الوطن بحضور وكلاء آلهة العصور الوثنية تراقب إيمان كل مصلي تحت المحراب ...ودعاءه وفكره.

إن سلطة الرقابة ماهي إلا وضع لأبجدية محددة للفكر لاخروج عنها، هي إنتقال السلطة الدينية و السياسية و الثقافية لحالة من الإستبداد تطوف بكعبة الفرد لا الفكرة. وكأن خروج الفكرة عن تلك الأبجدية هو هرطقة، إن بربرية تلك الظاهرة تكمن في أنها إختصار لجميع الهويات والإمكانيات و القدرات و الإختيارات و التجارب و الإنتماءات والأفكار الفردية السابقة و اللاحقة للفرد في فكرة تقبل أو ترفض، فيقبل هو (الفرد)  بكل كينونته المتجددة أو يرفض بهم جميعا.
ألم يتساءل واضعوا تلك الأبجدية عن حالة نزيف الأدمغة التي يعاني منها عالمنا العربي؟

الم يتسائلوا عن علاقة تلك الأبجدية الهيروغليفية بحالة الصمم الثقافي و السياسي و حتى الديني لدينا؟
ألا يرون علاقة بينها و بين تزايد إنتماءاتنا الإستهلاكية، فقط؟؟
أليست تلك الأبجدية هي أهم جنود عصر الوثنية السياسية التي تغرق فيها بلادنا وثقافتنا وديننا وحتى هوياتنا بل والأهم على الإطلاق.
إن فرض خيال السلطة فوق سلطة الخيال ومنهجية وأبجدية التفكير السلطوي وليس الفردي فوق العقل الجماعي بإسم حماية الدين والثقافة والسياسة، هو تحدي بالغ القبح والسفه والسفور لكثير من المباديء المؤسسة لكل تلك العناصر، فالدين يقوم على الإجتهاد و التفكر، والسياسة تقوم على إحترام حرية الفرد وإختياراته سواءا أقلية أو أكثرية، والثقافة تقوم على التميز الفردي وديناميكيته الفاعلة والمؤثرة في الهوية الثقافية الجمعية؟؟
في زمن مسخ الوعي الجماعي للأمة بتلك الأبجدية المحدودة والقاصرة، لانستغرب حالة الرقابة الفردية على مستوى الأفراد، ليصبح كل مواطن في هذه الأمة شرطيا للرقابة، مطبقا أبجديتها ومصدرا لأحكامها يقبل ويرفض ويرمي بالكفر ويسبغ الإيمان، ويعتمد المصائر و الأحكام، لا عن إقتناع بصحة أو خطأ الفكرة بقدرما هو تطبيق أعمى لأوامر أيقونات السلطة و الرقابة وأبجديتهم، مما ينقل المجتمع الإنساني من كونه تجمعا لمجموعة من الأفراد لكل فرد تميزه وكينونته الحرة المستقلة وإختياراته المستقلة بناءا على مجموعة من الأفكار و التجارب والإنتماءات إلى مجموعة من شرطيي الرقابة وجلاديها مهمته مراقبة الإنسانية حينما تخرج عن الإرادة السلطوية –الفردبة الشخص أو الحزب في الغالب- ومعاقبتها، لتصبح أوطاننا معتقلات كبيرة اسوارها حدودها يطارد عسكره من حلت به متلازمة الإنسانية الأولى و هي الحرية و الإختلاف. 

بل ان في كثير من الأحيان، و بإستخدام الكثير من الايقونات الدينية و السياسية و الثقافية تلجا تلك السلطة و الرقابة بطريق مباشر او غير مباشر إلى توظيف بروتوكولات ظلامية وذلك بتمييع التعاريف والخطوط الفاصلة ما بين شقين تحت بند المجهول أو الشبهات، فمثلا، وكما إعتدنا في أفلامنا - والسينما من أصدق المرايا – أن نجد من ينعت الليبرالية أو العلمانية أو أي توجه فكري بالكفر و الفسوق والإلحاد، في حين أن الكثير من حملة تلك الابواق لا يملكون اولى حلقات المعرفة وهو التعريف الأكاديمي و العلمي الصحيح لأي فكر كان، بل ويعتمدون على الكثير من الإطلاعات الإنتقائية و العناوين الرنانة ليصدر حكما بالغ العنف على الكثير من الأفراد و الأفكار و التي لايمكن إنكار مساهماتهم في زخم الحياة الإنسانية.
وهنا يجول في خاطري سؤال سبقني إليه أدونيس عن السلطة و الرقابة والإستبداد الديني بالذات : لماذا يسكت أهل المعرفة و الحكمة في الإسلام عن مثل هذه الممارسات المتزايدة والعنيفة، قولا و عملا، و الآخذة في تحويل التجربة الإسلامية الكبرى لمجرد تجربة سياسية عسكرية في الحكم والهيمنة وتحويل النص القرآني إلى مجرد فقه سلطوي وعزله تبعا لذلك عن الحياة والإنسان، وعن الفكر و العقل؟. وهو الدين الذي بدأ ب(إقرأ)مفتاح الفكر.

وللحديث بقية ..

Comments  

 
0 #2 د.عبدالله البياري 2010-07-22 20:59
تحياتي وشكرا على المشاركة..
فعلا يا سيدتي ، فعالمنا العربي تسرطن فيه العسكر بحكم حمى الثورة الدائم وبحكم الحاجة العربية الدائمة لمخلص وراعي على حساب إنسانيتنا..
نعم ، تعاطينا المزور و الموتور بفضل وسائل اعلامنا العربية التي لا تدور إلا في فلك الكرسي و الكرش وقريبا اللحية مع الارث التاريخي قد شوه لنا وذلك ظاهر في الخطاب جميع شواهدنا وعقولنا التاريخية فأصبح السلام (العار) نصرا وهدفا ، وأصبحت الهزيمة وما أعقبها من كسر للسلسلة العربية نصرا وسلاما...
لايخفى علينا تحويل الخطاب وعسكرته وتأثر اللغة وهي التي يتمظهر العالم لنا من خلالها لأداة تخدم تلك الكراسي و الكروش و اللحى...

تحياتي
Quote
 
 
+1 #1 رامتان 2010-07-17 15:19
لفتني في مقالك تفكيكك للإرث الثوري الذي ميز خطاباتنا وادابنا و"فكرنا" لعقود طويلة والشرعية التي بات يضفيها هذا الخطاب على كل ما هو "حق" في موازاة الكفر الذي يستعمل أبجديات تتجاوز الثورة وشهداءها وملحمتها ووو كل ما يخرج عن الحدوتة الرسمية باطل وفاسق ومتعاون مع الأجنبي ,,
ثم إنني لاحظت اللغة المستعملة لطرح الأفكار.. هي لغة جمبلة جميلة وشاعرية جدا وكأنك لتقول إن اللغة أيضا والمصطلحات والمفردات هي أيضا يمكنها أن تتمرد على أبجديةالعسكر ..يمكنها أن تكون حرة وتحلق في سماء التشبيه والاستعارة والكناية وأساطير القدامي وملاحمهم
لغة جميلة جمبلة
وسأنتظر التتمة
Quote
 

Add comment


Security code
Refresh