لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الاثنين, 22 يناير 2018

تجربتي التنظيميّة في خطّ "التقدّم"

إرسال إلى صديق طباعة PDF

dyab column

دياب أبو جهجه*

(ملاحظة : نشرت هذه المقالة في العدد الأخير من مجلة الآداب )

طلب إليّ الصديق سماح إدريس أن أبتعد عن التنظير في هذه المقالة وأن أكتب عن تجربتي الشخصيّة في العمل التنظيميّ. وعلى الرغم من قناعتي العميقة بأنّ إشكاليّة القوى التقدميّة العربيّة اليوم هي معرفيّة فكريّة كما هي تنظيميّة، فإنني أغتنم هذه الفرصة لأتكلّم على تجربة "الرابطة العربيّة الأوروبيّة،" وهي تجربة غنيّة، حتى إنّ كتبًا عديدة كُتبتْ عنها في الغرب مع أنها شبهُ مجهولة في بلادنا. وساقارب التجربة من خلال دروسِ معيّنة تعلّمتُها منها، أبني عليها ما أعتبره ركائزَ لأيّ عملٍ تنظيميّ تقدميّ ناجح في أيّ مكان في العالم.


 

 

الركيزة الأولى: الوضوح

كثيرون منا كائناتٌ دبلوماسيّة لا تحبّ أن تواجه أحدًا بالحقيقة بلا مجاملات، ولا أن يواجهها أحدٌ بحقيقتها. وكلّما كان الواقع صعبًا والحقيقة مؤلمة، ازداد منسوبُ الدبلوماسيّة ليبْلغ حدّ النفاق أو دفن الرأس في الرمال. وعليه، فعندما تحاول مجموعة من البشر تغييرَ الواقع فإنّ عليها أن تبدأ بكسر هذه القاعدة والاتجاه مباشرةً إلى خلق وعيٍ مطابقٍ للواقع. وبقدر ما يبتعد الإنسانُ عن الوضوح مراعاةً لظروفٍ جامحةٍ تقمعه، فإنه يحتاج إلى مشروع سياسيّ جماعيّ يحمل عنه "عبءَ" الوضوح ويعبِّر عمّا لا يستطيع التعبيرَ عنه بنفسه.

عندما أسّسنا الرابطة العربيّة الأوروبية في بلجيكا عام 2000 كان الحديث عن عنصريّة سياسة الإدماج[1] في بلجيكا  في خانة المحرّم. كنتُ حينها مديرًا لفرع العمّال الأجانب في النقابة العامّة الاشتراكيّة، وهي منظّمة نقابيّة عملاقة تضمّ أكثرَ من مليون عضو. وقد حاولتُ أنا ورفيقي أحمد عزّوز (وهو من مؤسّسي الرابطة أيضًا ومساعدي في النقابة) أن نضع إشكاليّة التمييز ضدّ الأجانب في سوق العمل على الأجندة من خلال موقعنا في النقابة. إلاّ أننا سرعان ما لمسنا أنّ هذا الطريق مسدود نتيجةً لتوازنات القوى ولتقاطع مصلحة النقابة مع مصالح الحزب الاشتراكيّ المشارك دائمًا في الحكومة، الأمرُ الذي يجعل طرحَ أيّ برنامج حقوقيّ للأقليّات مسألة حسّاسة جدّاً انتخابيّاً في بلدٍ يشهد نموّاً لليمين المتطرّف تحت شعارات الإسلاموفوبيا (رُهاب الإسلام).[2] كما لمسنا عجزنا عن تأطير الجالية نفسها لأنّ الناس كانوا يدركون أنّ المؤسّسات القريبة من الحكومة لن تتحرّك قيد أنملة من أجل الوافدين فتخسرَ ناخبيها الخاضعين للـتاثيرات العنصريّة.  فكان أن أطلقنا الرابطة حركةً سياسيّةً شعبيّةً للجالية العربيّة، وأطلقنا معها جملة مواقف جريئة.

حصلت الرابطة بسرعةٍ على دعايةٍ مجّانيّةٍ بسبب الحملة الشعواء التي شنّتها ضدّنا الصحافةُ البلجيكيّة والأحزابُ السياسية، إذ كلّما هاجمتنا ازداد التعاطفُ معنا في الشارع العربيّ في بلجيكا وتدفّق المنتسبون. فالمواطن المقموع والفقير الذي يَنشد التغييرَ لا يريد من ممثّليه السياسيين أن يهادنوا كما يفعل هو اجتنابًَا لبطش ربّ العمل أو الشرطيّ أو صاحبِ الدار, بل يريد منهم أن يذهبوا بمواقفهم إلى حيث لا يستطيع هو أن يذهب. ومن هنا, فإنّ أيّ عمل تقدميّ, لكونه يعبّر عن مصالح الناس التي تريد التغييرَ، لا بدّ من أن يمتلك الوضوحَ في الموقف لكي يعلن عن نفسه حاملا لهموم الفئة التي يريد أن يمثّلها.

إلا أنّ على هذا الوضوح أن يكون مزدوجًا: فهو ليس فقط وضوحًا تجاه المطالب وفي وجه السلطات والفئات الحاكمة والمهيمنة, وإنما أيضًا تجاه القواعد الشعبيّة المؤيّدة ذاتها. وبالعودة إلى تجربة الرابطة المذكورة, فقد كنّا أنا وعزّوز عند الانطلاقة المؤسّسيْن الوحيدين اللذين يحملان فكرًا عروبيّاً اشتراكيّا، في حين كانت ميولُ المؤسّسين الآخرين إسلاميّةً. ومع تصاعد الهجمة ضدّنا وتدفّق المنتسبين، تكوّنتْ أغلبيّة إسلاميّة واضحة في الرابطة على مستوى القواعد، تقابلها ميولٌ علمانيّة ويساريّة لدى القيادة. وأذكر أنني كرئيس للرابطة شعرتُ بالاضطرار إلى تكييف خطابي مع ميول الأنصار الإسلاميّة، وإلى تلفيق نسخةٍ إسلامويّةٍ من القوميّة العربيّة والاشتراكيّة. وأدّى ذلك إلى تزايد الهجمة الإعلاميّة ضدّنا، وإلى اتهامنا بالأصوليّة. غير أنّ هذا الاتهام جذب أعدادًا من المنتسبين الجدد أكثر تشدّدًا إسلاميّاً من سابقيهم. ووصل الأمرُ أن وقفتُ، خلال مؤتمرٍ لفرع الرابطة في هولندا كان يحضره مئة مندوب عن فروع الرابطة، لأفضّ نزاعًا كاد يتحوّل عراكًا بين تيّار عروبيّ تقدميّ وتيّار إسلاميّ محافظ (أذْكر صورة، نشرتها الصحفُ الهولنديّةُ يومها، تُظهر تجهّمَ وجهي ووجوهِ منسّقي المؤتمر على المنصّة، ونحن نشهد انفجارَ الرابطة من الداخل.)[3]

عندما فشل الإسلاميون في السيطرة على الرابطة في المؤتمر خرجوا منها بشكلٍ جماعيّ، فتقلّصتْ إلى ربع حجمها السابق بين ليلة وضحاها. إلاّ أنّ تجانسها الذي وُلد من هذا الانشقاق جعلها أكثرَ فعّاليّة. كما أنّ الوضوح الذي نتج من القضايا المتعلّقة بالدين والحريّات الشخصيّة لم يخسّرْنا تأييدَ الناس بل أكسبنا شرائحَ صامتةً كانت مثلَنا تهادن النزعاتِ المحافظة خوفًا من العواقب الاجتماعيّة.

على أيّ حركة تقدميّة، إذنْ، أن تكون واضحة مع جماهيرها حتى في المسائل التي قد تشعر أنّ هذه الجماهير ما تزال غيرَ مستعدّةٍ لتقبّلها وهضمها. وغالبًا ما تفاجئ الجماهيرُ مَن يظنّ أنه متقدِّم عليها وتلقّنه دروسًا في التقدميّة. كما أنه من الممكن جدّاً أن تجيِّش حركةٌ ما جمهورًا "مصطنعًا" لا يمتّ إلى فكرها الحقيقيّ بصلة، وذلك من خلال تبنّيها مواقفَ ملتبسة، بينما جمهورها الحقيقي موجود ولكنه لا يعرف أنها تحمل الفكر الذي ينشده ولا أنها تسعى إلى الحلول التي يريدها.

الركيزة الثانية: المرونة والإبداع

يواجهنا الواقعُ الاجتماعيّ دومًا بظروفٍ مستجدّة. ولذلك لا بدّ من مراجعة أساليب العمل القديمة، وتجديدِ الطروحات، مع البقاء في إطار الثوابت العامّة. إنّ إدراك عامل الوقت والحركة مسألةُ حياةٍ أو موت بالنسبة إلى أيّ حركة تغيير. والمنظّمات والحركات أطرٌ حيّةٌ تتحرّك وتتفاعل مع واقعها وتتبدّل مع ظروفها: فكلّما كانت حركتها سلسةً سهلةً كانت فرصُ انسيابها أفضل؛ وكلّما كان تنظيمها ثقيلا ازدادت تكلسًا وكسلاً. إنّ على التنظيم السياسيّ الحديث أن يَجمع بين شكل المؤسّسة وشكل الشبكة: فالجانب المؤسّساتيّ يؤمّن له عمودا فقريّاً من القدمين إلى الرأس، إلاّ أنّ هذا الأخير الذي يمثّل ترابطَه لا يَكفل له الحركة ولا التواصلَ، وإنما ما يَكفل له ذلك هو قدرتُه على مدّ شبكاتٍ عصبيّةٍ تصل إلى أبعد الأنسجة في جسم المجتمع.

تتركّز المنظّمة الحديثة حول نواةٍ من الناشطين المخلصين، قد لا يتخطّى عددهم المئتين، لكنّهم يتواصلون ويؤثّرون في عشرات آلاف البشر من خلال انخراطهم في المجتمع: في النقابات ومؤسّسات المجتمع المدني وفرق الرياضة والأندية الكشفية، وفي العالم الافتراضي على الفيسبوك والتويتر، ومن خلال شاشات التلفزة وموجات الأثير وصفحات المجلات. 200 شاب وصبيّة يستطيعون تحريكَ تظاهرة من مئة الف وهزَّ بلدٍ بأسْره.

وبالعودة إلى تجربة رابطتنا, فإنه عندما أعلنت الشرطة في مدينة انتويرب البلجيكيّة عن إطلاقها "الخطة المدمجة للمغاربة" من أجل استهداف الشبّان العرب بذريعة "قمع الجريمة"؛ ولمّا كنا ندرك أنّ الشرطة مخترقةٌٌ بشكل كبير من قبل اليمين المتطرف؛ فقد أعلنّا في مؤتمر صحفيّ أنّ الرابطة ستطلق بالتزامن حملة دوريّاتٍ مدنيّةٍ لمراقبتها. قامت الدنيا ولم تقعد، وأذكر حينها أنّ الصحافة عنونتْ صفحاتها الأولى أنّ الميليشيات العربيّة سيطرتْ على شوارع انتويرب. وتدافعتْ وسائلُ الإعلام المحليّة والعالميّة لتغطية الحدث. وكانت تفاجأ بأنّ هذه الدوريّات "الميليشياويّة" ما هي إلا دوريّاتٌ لشبّانٍ وشابّاتٍ من طلبة الجامعة، "يتسلّحون" بكاميراتٍ ومنشوراتٍ توزَّع على المواطنين تشرح لهم حقوقهم تجاه الشرطة. بيْد أنّ الضجّة التي أثرناها من خلال الدوريّات أدّت إلى كشف النقاب عن الخطّة العنصريّة، وإلى تراجع الشرطة عنها.[4]

 

الركيزة الثالثة: الاستقلال الماليّ

وَضعت الدوريّاتُ المدنيّة رابطتنا في موقع المواجِهِ الوحيدِ للعنصريّة في بلجيكا، وحقّقتْ في شهرٍ واحدٍ ما لم تحقّقه سياساتٌ تراكميّةٌ تقليديّة من قِبل مئات الجمعيّات العربيّة التابعة للدولة والمموَّلة منها والعاجزة من ثمّ عن تحدّيها بهذا الشكل. لقد نجحت الرابطة في تقديم نموذج المواطن المؤمن بمواطنيّته من دون عُقد، وإلى درجة اعتباره نفسَه مكلّفًا بمراقبة الشرطة والتأكّد من التزامها بالقانون. ولقد كانت الرابطة منذ البداية واضحة في رفضها للتمويل الحكوميّ، وفي تركيزها على تمويلٍ ذاتيّ من اشتراكات الأعضاء ومِنح المؤيّدين المقتدرين. ولو كان الأمرُ غيرَ ذلك لما استطاعت أن تتحرّك بهذه الحريّة، ولكان من السهل جدّاً الضغطُ عليها من خلال التلويح بسحب التمويل البنيويّ، كما هي الحال مع باقي المنظّمات العربيّة في بلجيكا.

 

الركيزة الرابعة: الاستعداد للمواجهة

عندما اغتال أحدُ العنصريين عام 2002 الأخ محمد أشرق، وهو أستاذ لغة عربيّة قريبٌ جدّاً من الرابطة، انتفض الشبابُ العربيّ في انتويرب (معقل الرابطة)، واندلعتْ صداماتٌ عنيفةٌ مع الشرطة وعصاباتِ اليمين المتطرّف المنخرطة فيها. ولما كنّا موجودين على الأرض وبين الناس، فقد كان لا بدّ من موقفٍ نحدّ فيه من التوتّر من جهة، وندافع فيه من جهةٍ أخرى عن جاليتنا وأحيائنا التي عاث فيها العنصريون فسادًا وصولاً إلى التصفية الجسديّة تلك الليلة. الجدير ذكره أنّ تلك الأحداث حصلتْ في سياق الفترة التي تلت حمّى الدوريّات المدنيّة، وفي أجواء قضيّة شارون التي أكسبتنا عداءَ اللوبي الصهيونيّ، وعلى خلفيّة أحداث 11 سبتمبر. كنا نريد تجنيبَ المدينة حمّامَ دماء، فأوعزنا إلى كلّ الرفاق والرفيقات في الرابطة بالنزول إلى الشارع والإمساك بزمام المبادرة وعدم تركه للغوغاء. وهذا ما كان. وفي ظرف ساعتين استطعنا إنجازَ ما لم تنجزه الشرطة، وهو تهدئة الأجواء. ودخلنا مفاوضاتٍ مع البلدية لإخراج الشبّان من الشارع شرطَ رفع الحصار الذي ضربته القوى الأمنيّةُ على أماكن تجمّعهم. وبعد مماطلةٍ ومحاولاتٍ عديدة للاستفزاز كان لنا ما أردنا، وسُحب فتيلُ الأزمة، ولم يسقط سوى بعض الجرحى، إضافةً إلى الأضرار الماديّة. لكنْ فوجئنا في اليوم التالي بقصةٍ مختلفةٍ في الصحافة تقول إنّ الرابطة هي مَن فجّر الموقف. وتسارعتْ وتيرةُ الأحداث، حتى طالب رئيسُ الوزراء من تحت قبّة البرلمان باعتقالي، في خرقٍ واضحٍ لفصل السلطات. وهذا ما حصل, إذ اعتقلتُ ورُميتُ في السجن، واعتُقل أكثر من 100 كادر من الرابطة في ليلةٍ واحدة.

إلا أنّ شباب الرابطة واصلوا الدوريّات المدنيّة، ووضعوا خطّة مواجهة شاملة في حال عدم إطلاق سراحنا تصل إلى العصيان المدنيّ الكليّ والشامل. ومن حيث لا ندري لقينا دعمًا كبيرًا من قبل المثقفين والأكاديميين، إذ وقّع أكثرُ من 300 مثقف بارز عريضةً تعلن أنني سجينٌ سياسيّ وتطالب بإطلاق سراحي، بينما كان وزيرُ العدل يتحدّث عن سجني لثمانية أعوام على الأقلّ. إلا أنّ مناوشات ليليّة بدأتْ في مدن بروكسل وأنتويرب ومالين وغنت، واستُعملتْ فيها قنابلُ المولوتوف وكانت بمثابة القطراتِ الأولى التي تسبق انهيارَ المطر، دفعت النيابةَ العامةَ إلى مفاوضتي. واتفقنا على أن أخرج مقابل شرطٍ وحيد: أن أغيب عن الشارع ثلاثة أشهر.

استمرّت المحاكمة حتى عام 2008، حيث تمّت تبرئتنا من كلّ التهم عندما  أثبت الكاتبُ البلجيكيّ الكبير لودو دو ويت أنّ التهم ضدّنا مفبركة. كما شهد رئيسُ الشرطة لمصلحتنا، وشهد شرطيّ آخر أنّ الشهادات التي تديننا مختلقة هي الأخرى.[5] لقد ألقت الدولة بكلّ ثقلها علينا لتدمّرنا، ولم توفّر أيَّ أسلوبٍ من التزوير والقتل والسجن والطرد من العمل، وأثبتتْ لنا أنّ أوروبا ديموقراطيّة منقوصة لأنها عنصريّة ولا يشفع لها إلا قضاءٌ مستقلّ. ولكننا، بوسائلَ محدودةٍ، إنما بارادة قوية، كنّا مصمّمين على المواجهة وجاهزين للموت في سبيل القضية ولإحراق الأخضر واليابس لو تمّ الاعتداءُ علينا. وهذا ما أنقذنا.

إنّ حركة تغيير من دون أظافر لا أمل لها في الحياة، ولو كانت في بلجيكا وسويسرا، فما بالك في بلادٍ مغتصَبةٍ ومقموعةٍ من الداخل والخارج؟!

الركيزة الخامسة: الديموقراطيّة

ونعني هنا الديموقراطيّة الداخليّة في التنظيم ذاته. إنّ التنظيمات والأحزاب هي أطرٌ لممارسة الديموقراطيّة في المفهوم التقدميّ. إنها برلماناتٌ دائمة، ومجالسُ دائمةُ الانعقاد، تمثّل شرائحَ من الشعب، وتدلي بدلوها في الشأن العامّ. ولذلك ينبغي إلاّ تتحوّل إلى أبواقٍ لزعيم ما، أو قطعانٍ من الماعز تنساق وراء راعيها. فكلّما كانت الأطرُ ديموقراطيّةّ، امتنعتْ على الانهيار، وحملتْ مشروعيّة تضْمن لها الاستمرار. كما أنّ هذه الديموقراطيّة تفترض تجدّدَ الدماء فيها، وتحديدًا في قمّة هرمها, لا أن يقبع القادةُ على رؤوس العباد إلى ما لا نهاية، ويُدفنَ الدمُ الجديدُ في الملفّات الشبابيّة حتى يتخثّر، فترى الكهولَ يخطّطون مستقبلاً لن يعيشوه، وترى الرجالَ وهم في عزّ عطائهم يسمّون شبابًا ويؤخذ برأيهم من باب المداعبة.

بعد ستّ سنين من رئاسة الرابطة (ثلاث دورات من سنتين) لم أرشّحْ نفسي لمنصب رئيسها. وها هي اليوم تتألّق من دوني، وتصل إلى آفاقٍ جديدةٍ تحت قيادةٍ شابّةٍ واعدة. يقول البعض إنني ارتكبتُ خطأ بترك الرابطة، إلا أنني على يقين من أنّ على أيّ جيلٍ مؤسِّسٍ أن يرجع خطوة إلى الوراء بعد تثبيت البناء، وإلا تحوّل إلى عائق أمام الأهداف التي ينشدها.

و ماذا في بلادنا؟

تركت بلجيكا و شديت الرحال بشكل نهائي الى لبنان عام 2007 و انا لا أدعي أنني قادر اليوم على تشخيص اشكاليات العمل التقدمي و القومي في بلادنا و لا أن تجربتي هنا غنية بالشكل الذي يتيح لي أن أكتب عنها مفقالة جدية. الا أن بعض الملاحظات تفرض نفسها في هذا السياق.

لدي انطباع يتحول تدريجيا الى يقين بان المشهد التقدمي و القومي في بلادنا مأزوم بأحزابه و تياراته و شخصياته. و قياسا على الوضع في لبنان, من الواضح أن القوى الوطنية و التقدمية و القومية تواجه انحسارا يهدد وجودها ذاته و جدية حراكها السياسي.  الأسباب في هذا الانحسار متنوعة الا أن الاهم برايي هي الاسباب الذاتية النابعة من داخل تياراتنا و قوانا, من حيث عجزها عن أولا الاعتراف بالواقع كما هو و الاعتراف بالأزمة التي تعيشها كمقدمة للتعامل معها و تخطيها ربما.  و يتبع ذلك نوع من المكابرة و العيش على امجاد الماضي لدى معظم قوانا و منظماتنا الوطنية و التقدمية و القومية مرتبط كذلك بعجز فاضح عن التجديد في الطرح و في الخطاب و في الرؤية السياسية و في الاساليب النضالية.

و بعض الاحيان هنالك افراط في التجديد لدرجة التخلي عن كل مقومات النضال الحزبي و التنظيمي مما يعطي نفس النتيجة و هي فشل العمل التنظيمي الجماعي .

يضاف الى ذلك اسلوب عمل بعيد عن الديمقراطية (حتى المركزية منها ) في معظم أحزابنا مما يجعلها غالبا جماعات ملتفة حول فرد أو حول شلة هي الآمرة الناهية فيها. أو كتل متصارعة متناحرة تصرف جهدها في معركتها الداخلية و لعبة التجاذبات عوض التركيز على الاستحقاقات التي تواجهها.

أما اذا ما نظرنا حصريا للأحزاب القومية العربية و هي المكان الأول الذي يبحث عنه قومي عربي مثلي لينتمي اليه فنجد اضافة الى الامراض التي سبق ذكرها أنها بمعظمها لا تحمل من القومية الا شعارا بينما هي دكاكين لا تتعدى رؤيتها منطقة أو مدينة و بعض الأحيان حتى حي في مدينة. و من هنا تداعت مجموعة من الشباب القومي العربي لانتاج اطار جديد للعمل يجمع في صفوفه شباب عروبي مستقل و آخر حزبي لا يريد أن يتقوقع حزبيا , ومن هنا كان إطلاق مشروع رابطة القوميين العرب.[6] وإعلانُها "تحت التأسيس" ينطوي على إدراك المؤسِّسين أنّ إطلاقَ مشروع سياسيّ ناجح يفترض أولاً مرحلةً إعداديّةً تسبق مؤتمرًا تأسيسيّاً يحدِّد الشكلَ النهائيَّ للمنتَج ومحتواه بشكلٍ ديموقراطيّ.

التحدّي الأول الذي يواجهنا هو كيف نخاطب الجيلَ الجديد. ولكي نعرف كيف نخاطبه، علينا أن نفهمَه. وما يساعدنا على ذلك هو أنّ معظمَ أعضاء الرابطة المؤسّسين ينتمون إليه، ولا يتحدّثون عنه وكأنهم يتحدّثون عن مخلوقاتٍ فضائيّة اسمُها "الشباب" وتعيش على كوكبٍ آخر. ولم نسقطْ في فخّ التبسيط الذي يعتبر أنّ الجيل الحاليّ والقادم أعجزُ من أن يفهم خطابًا متكاملاً وعميقًا، وأنه يحتاج إلى تبسيطٍ للأمور. هذه الخديعة النيو-ليبراليّة التي تريد أن تُفهمنا أنّ عصر الأفكار قد ولّى وولّت معه القيمُ والمبادئ لا بدّ من أن تسقط أمام النزوع الإنسانيّ المستمرّ نحو التحرّر والتقدّم، وهو نزوعٌ مرتبطٌ بالنوع البشريّ عضويّاً ولا يمتاز به جيلٌ دون غيره. لقد طرحنا مشروعًا فكريّاً ثقيلاً غير مبسّط، فوجدنا جيلاً يبحث عن قيم ومتعطّشًا لقضيّة، في زمن العقائد الغرائزيّة المبسّطة بعصبيّاتها الطائفيّة والمذهبيّة. علينا أن نفهم أنّ جيلَ الثمانينيّات الذي ملّ الإيديولوجيا، وجيلَ التسعينيّات اللامبالي، تركا المجالَ لجيلٍ جديدٍ مستعدٍّ لخوض غمار معركةٍ تغييريّةٍ حقيقيّة وبثقةٍ كبيرةٍ بالنفس.

إنّ ما يجب أن يتغيّر في مقاربتنا ليس القصة بل طريقة السرد، وليس الرسالة بل شكل ساعي البريد والصندوق المتلقّي.

"رابطة القوميين العرب تحت التأسيس" تعمل على استقطاب الشباب العربيّ من خلال الإنترنت وسيلةً أولى للتواصل، إلاّ أنها تحوّل المعرفة الافتراضيّة إلى لقاءٍ على أرض الواقع. وهكذا تسير العجلة باتجاه إنتاج إطار جامع لشبابٍ قوميّ وتقدميّ يريد رفعَ التحدّيات التي تواجه وطنه وأمّته وجيله، وتتحوّل المجموعاتُ الافتراضيّة إلى خلايا عمل على أرض الواقع في أكثر من عشرة أقطار عربيّة يضاف إليها المهْجر.

حركة التحررالعربية الديموقراطية:

استجابت الرابطة لدعوة شخصيات و أحزاب قومية و عروبية لقيام حركة تحرر عربية ديموقراطية جديدة و وضعت نفسها بتصرف هذه الدعوة كما اي دعوة للتكتل من أجل تشييد صرح حركة معارضة عربية حقيقية و جادة, و نشدد هنا على كلمة معارضة لانها الجوهر الحقيقي لأي حركة تحرر عربية و ما يميزها عن غيرها من الاطر المؤسساتية القومية كالمؤتمر القومي العربي و غيره. الا أن هكذا تكتل يواجه صعوبات نابعة براينا من اشكاليتين: أولا مشاركة بعض الشخصيات العربية المرموقة التي لا نشكك بنواياها و لا بطاقتها و هي تشتت تركيزها بين عدد كبير من أطر العمل و المؤتمرات بينما مشروع مثل حركة التحرر العربية يفترض التركيز و التفاني و لا يحتمل ان يوضع على هامش اي مشروع آخر.  و من ناحية أخرى لا بد من أخذ خطوات جريئة على مستوى الهيكلية التنظيمية تلزم كل القوى و الشخصيات المشاركة و تتيح المجال امام الحركة لكي تراكم خطاها باتجاه الهدف المنشود.

التحالف الوطني التقدمي

في لبنان لبت الرابطة الدعوة للمشاركة في تحالف وطني تقدمي من أجل بناء مجتمع لا طائفي ديموقراطي عادل و مقاوم و أنا أزداد قناعة يوما بعد يوم أن القوى الوطنية و التقدمية في لبنان كمثيلاتها العربية بحاجة الى التكتل و التحالف بذهنية منفتحة من أجل تشكيل قبضة حقيقية بوجه الفساد و الطائفية و الخيانة. الا أن الذهنية المازومة لبعض الاحزاب و التنظيمات التي تنتظر فتات مائدة الطوائف و الاقطاع لتلتقط منصبا من هنا أو دورا من هناك أبت الا أن تتراجع عن فكرة التحالف تماما كما تخاف بعض القوى على المستوى العربي من فكرة حركة تحرر عربي ديموقراطي معارضة اجتنابا لبطش الانظمة او حرصا على خط عودة ما معها.

الا أن خروج هذه الاحزاب و تردد أخرى ليس بالضرورة امر سيء فالتحالف يستطيع اذا ما تخطى اشكالية التنظيم و الهيكلية أن يطرح نفسه كبديل جدي أو كنواة لتيار سياسي جديد يستقطب جمهورا جديدا هو غير معني اساسا بخطابات هذه الاحزاب المنسحبة و انما يتوق الى تمثيل سياسي حقيقي بعيدا عن الشعاراتية و الدوغمائية . كما أن الانتخابات البلدية الأخيرة و الهزائم التي منيت بها كل القوى التقدمية و القومية في مواجهة الاقطاع الطائفي الجديد و الاقطاع القديم (حسب المنطقة) تبين ضرورة التفكير باطار وطني جامع للعمل في مواجهة القوى الطائفية المهيمنة بدل أن نسمح لهذه القوى ان تشتتنا و تعزلنا و تستفرد بنا في قرية هنا و مدينة هناك.

الا أن هذه المشاريع لا يمكن لها أن تنجح سواء كانت محلية أو عربية الا اذا كانت فعلا مجدّدة وجريئة, واضحة وديمقراطية ومستعدّة للمواجهة!

صيدا

*كاتب وناشط قومي من لبنان.

 

 



[1] integration.

[2] Maroun Labaki, Abou Jahjah, l'erreur )Bruxelles: Editions Luc Pire, 2003)>

[3] Dyab Abou Jahjah, Between Two Worlds - The Roots of a Freedom Struggle (Meulenhof- Manteau, Antwerpen – Amsterdam, 2003).

[4]Mohammed Benzakour, Abou Jahjah, A Visionary or a Fraud? The Demonisation of a political rebel,” Uitgeverij L.J. Amsterdam,  2004

[5] Ludo De Witte, Who is Afraid of Muslims? Notes on Abou Jahjah, Ethnocentrism and Islamophobia (Bulaaq, Uitgeverij, 2004, Brussels).

[6] www.arabnationalists.org

Comments  

 
0 #3 محمد عزالدين امام 2010-07-10 06:45
..
كنت في تلك الفترة موقوف عن العمل بسبب رفضي الوقوف ثلاث دقائق كانت هولندا قررتها حدادا على ضحايا البرجين
و قلت لرئيسي المباشر بالعمل
لا اؤيد الاعتداء على الابرياء لا في نيويورك ولا في اي مكان
و لكن لماذا فقط نقف على ضحايا الاميريكان
لماذا لم تقرر هولندا فعل الامر ذاته مع ضحايا تفجيرات موسكو
و كانت موسكو قبلها تعرضت لعدة تفجيرات من ثوار القوقاز
ناهيك عن الضحايا الذين يسقطون يوميا في فلسطين
المهم
كنت ايامها شبه متفرغ قبل ان اعاد الى موقعي بالعمل
و تنقطع علاقتي بالزميل عمران و بالرابطة كلها
وقد قابلته بعدها بالصدفة في احدى محطات امستردام الرئيسية و قال لي ان معظم الزملاء تركوا الرابطة و انضموا لحركة اليسار العالمي
international links
تحية للرفيق دياب و تجربته في العمل الثوري
Quote
 
 
0 #2 محمد عزالدين امام 2010-07-09 20:22
قمت بحضور عدة اجتماعات في امستردام بمنزل هذا الزميل ولاحظت طغيان الخطاب الاسلامي بنسخته السلفية رغم وجود بعض الزميلات اليساريات
..
شاركت في عدة فعاليات منها توزيع منشورات في محطات القطار و المترو ضد ارسال قوات هولندية للعراق
و منها محاولة دعوة العرب و الاتراك العاملين في هولندا للانضمام للرابطة
فذهبنا لمواقف التاكسي و محلات الشاورما و غيرها من اماكن عمل العرب و الاتراك هنا
Quote
 
 
0 #1 محمد عزالدين امام 2010-07-09 16:56
تعليقا على تجربة الرفيق دياب
اود ان ادلي بشهادتي هنا حيث عاصرت بعض الاحداث التي تكلم عليها
كانت الصحافة الهولندية تقدم لنا الرابطة العربية الاوربية كتنظيم رايدكالي متطرف
و كانت تشارك الصحافة البلجيكية في تشويه فعالياتها خصوصا بعد افتتاح الفرع الهولندي
اول خبر قرأته عن الرابطة كان نقل الصحافة الهولندية لطلب رئيس الرابطة حينذاك - الرفيق دياب - من السلطات البلجيكية باعتماد اللغة العربية كلغة رسمية بجوار الفرنسية و الفلامس
ثم قرأت عن قيام افراد من الرابطة بهولندا باقامة حواجز على الطريق السريع و توزيع فولدر على الناس يقول هذا ما تفعله اسرائيل بالفلسطينيين
كان المقصود ان يشعر المواطن الاوربي بمهانة اقامة الحواجز على الطرقات
و اعتقد انه تم القبض على هؤلاء الشباب بهولندا ولكن تم الافراج عنهم بعد ذلك
المهم
دخلت على صفحة الرابطة بالانترنت و سجلت عضويتي
تم الاتصال بي بعدها من احد الزملاء الفاعلين كان من اصل اندونيسي و اسمه
ايمرام
اعتقد تعريب الاسم اصله عمران
..
Quote
 

Add comment


Security code
Refresh