لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية » مقالات و أبحاث » العرب وإسرائيل وتركيا | د.عزمي بشارة
الأربعاء, 28 يونيو 2017

العرب وإسرائيل وتركيا | د.عزمي بشارة

إرسال إلى صديق طباعة PDF

العرب وإسرائيل وتركيا |  د.عزمي بشارة*

bashara-

 

 

يصعب الحديث في الفضاء العربي بموضوعية عن تعاظم الدور التركي السياسي في المنطقة، وعن التطور المشهود في الموقف التركي لمصلحة القضايا العربية، وعن أداء تركي يستحقّ أكثر من ثناء. ومصدر الصعوبة أن تركيا تحولت إلى متنفس لإحباطات المجتمعات العربية، وإلى مشجب مريح تعلّق عليه الأمنيات، لا الآمال فحسب. ومردّ هذا إلى أسباب من بينها غياب الدولة العربية الفاعلة القائدة التي تمثل القضايا العربية على المستوى الدولي وفي مواجهة إسرائيل


تبرز حاجة لدى من نصّبوا أنفسهم ممثلين عن هويات (أو عن انتماءات مستجدة ومتحولة إلى هويات) إلى دور «دولة سنيّة» (وكلها مصطلحات عربية راهنة لا علاقة لها بالواقع ولا بالتاريخ) في مقابل دور إيران المؤيّد للمقاومة والقضية الفلسطينية، وخاصة إزاء فراغ خلّفه غياب مصر والسعودية أو دور محرج تقومان به في قضايا الأمة (وهو محرج إذا نظر إليها كـ«دول سنيّة»، وهو مصطلح مغلوط مرة أخرى) وخاصة إبان الحرب على لبنان عام 2006 والحرب على غزة والموقف من حصارها. كانت هنالك حاجة إلى دولة يمكن تقديمها كدولة مسلمة وسنيّة وتؤدي دوراً مشرّفاً في هذه القضايا.


ومن هنا يُضخَّم دور تركيا إلى دولة عثمانية جديدة، أو حتى خلافة تقود الإسلام والمسلمين، كما يُضخَّم العداء التركي لإسرائيل إلى درجة أن البعض تساءل هل تهاجم تركيا إسرائيل بالسلاح بعد الهجوم على أسطول الحرية. ويُتعامل مع أردوغان من خلال صورة البطل المخلّص للأمة القائمة في الأذهان... فـ«صلاح الدين لم يكن عربياً» على رأي من يجادل. كأنه كانت هنالك قوميات ودول قومية حديثة في عصر الناصر صلاح الدين.
ومن ناحية أخرى، فإن أصحاب الموقف المؤيد للتسوية دون تحفّظ، والذين تحوّلوا إلى مساعد تنفيذي للدور الأميركي، ولا يحلمون إلا بدور الـ«صاحب» أو المرافق المحلّي للبطل الأميركي (موفد الاستخبارات البطل أو الصحافي أو المغامر المستكشِف في فيلم هوليوودي) يصابون بالإحراج تحديداً من مواقف تركيا الجريئة المنحازة إلى القضايا العربية المعبَّر عنها أخيراً، ويرغبون في تحجيمها، أو التقليل من شأنها، وخاصة إزاء الأداء التركي الرصين والمجتمع مع الاحترام الذاتي، والذي يترجم حالاً على المستوى الشعبي إلى كرامة تركية مقابل ذل رسمي عربي. ويُشكّك في الموقف التركي بواسطة السخرية، وهي سلاح يفتك بصاحبه، وخاصة إذا كانت تعبيراً عن مرارة أو حتى «غيرة شخصية» (لا أشك في وجودها لدى بعض الحكام العرب إلا إذا نسينا أن الحكام بشر ودنيويون جداً). كذلك يُشكّك في وصف هذه المواقف مجرد تعبير عن مصلحة تركية، كأنها لا تحمل جديداً سوى الرغبة التركية في الزعامة وأداء دور قيادي.
يثبت هذا الموقف المتبرم من الأداء التركي أن اعتراض هذه القوى العربية على المقاومة لم يكن يوماً نابعاً من كونها تؤيد الكفاح السلمي المدني، بل لأنها وضعت نفسها في موقع سياسي يعادي أي موقف كفاحي. واعتراض أصحاب هذه المواقف على القوى العربية المؤيدة للمقاومة ليس ناجماً عن كونهم يؤيدون الديموقراطية وينفرون من الاستبداد، ولا حتى عن كونهم يؤيدون الواقعية ويرفضون السياسات المغامرة. فتركيا دولة ديموقراطية بمقاييس منطقتنا بالتأكيد. ونحن نجازف بالذهاب إلى حدّ القول إنه حين تتحقق الديموقراطية في الدول العربية، سيصعب أن تبدو أفضل من التركية، وسيشقّ عليها أن تكون أكثر علمانية من تركيا الحالية. وخلافاً لما يحلم به بعض المثقفين العرب، سيؤدي الدين في أحزابها الديموقراطية، إذا نشأت وخاضت تحدّي الحكم، دوراً لا يقل أهمية عن دوره في حزب العدالة والتنمية. وهو للمناسبة ليس حزباً دينياً ولا إسلامياً بموجب تعريفه لذاته. وهذا التعريف الذاتي ليس «تقيّة»، كما يدّعي (بتحبّب!) بعض الإخوة الإسلاميين الذين يحمّلون الحزب بعضاً من أمنياتهم. فحزب العدالة والتنمية هو حزب إسلامي إذا أخذنا رؤيته للإسلام كهوية ثقافية حضارية يريدها لبلاده كي تستعيد توازنها وتحقق طاقاتها الكامنة. وتركيا هي أيضاً دولة حليفة للولايات المتحدة، وعضو في حلف الناتو. والواقعة الأخيرة، واقعة الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية المدعوم من تركيا، والتي أدت إلى التصعيد، هي عبارة عن عدوان إسرائيلي على نضال سلمي مدني كلاسيكي، وليس على عملية مسلحة.
كنا نعرف الجواب عن هذه الحيرة. فنقّاد المقاومة عربياً غالباً ما يتشدّقون بالديموقراطية سياسياً، ولكنهم في الواقع ليسوا ديموقراطيّين. ويتشدّقون بالنضال السلمي، ولكنّ النضال السلمي الفعلي يحرجهم، والواقع أنهم ضد أي نضال، بما في ذلك الخروج في تظاهرة حقيقية (أقصد تظاهرة لا «بيكنيك» مصوَّراً للعلاقات العامة) أو انتفاضة شعبية ضد إسرائيل، وإلا لكان عُمّم نموذج قرىتَي بلعين ونعلين النضالي بين مروّجي التسوية. مؤيّدو التسوية المناهضون لمقاومة الاحتلال ينفرون أيضاً من أي خلاف مع الولايات المتحدة حتى لو جاء من موقع الحليف. فالنموذج الذي يريدونه هو التبعية الكاملة. كنا نعرف ذلك، ولكنّ الأحداث تعود لتؤكده.
باختصار لدينا أمة بلا قيادة، تُسقِط إحباطاتها وخيباتها وأمانيها على الدور التركي، وقيادات عربية رسمية لا علاقة لها بمنطق الدول، وتشكّك في أي دولة تتصرف كدولة أو تقدم نموذجاً مختلفاً لطريقة الأسر الحاكمة ومنطقها في التعامل مع القضايا.
يترك هذا الوضع القائم على مستوى التعامل مع الرأي العام، العربي تحديداً، مجالاً ضيّقاً للتحليل العلمي للدور التركي. ومع ذلك سنحاول في هذا الطرح القصير أن نحلل تحليلاً عقلانياً الدور التركي الحالي، في سياق الصراع العربي الإسرائيلي.

 

خلفيّة تاريخيّة

في 1949، كانت تركيا أول دولة ذات غالبية مسلمة تعترف بإسرائيل، ووصل بها خيار التحالف مع الغرب إلى أن أرسلت بعض وحداتها إلى كوريا رمزياً إلى جانب الولايات المتحدة (التي حاربت بعلم الأمم المتحدة في حينه)، كما كان واضحاً أنها جزء من التحالفات المحيطة بالعرب والمعادية لحركتهم القومية... وقد نشطت دول المحيط هذه: باكستان وإيران وتركيا في إقامة حلف السنتو في الخمسينيات، وتحوّلت فعلاً إلى قوى متعاونة مع إسرائيل (ربما لا ينطبق هذا التعميم على باكستان، ولكنه انطبق على إثيوبيا على التخوم الجنوبية الغربية للأمة).

ضرورة فهم خصوصية مواجهة تركيا مع إسرائيل. لا يمكن دولاً وحركات تحارب إسرائيل تكرار الأسلوب نفسه

وقد شملت العلاقات تعاوناً ثقافياً واقتصادياً وعسكرياً. وما زالت هنالك في شرق تركيا نقاط مراقبة وتنصّت استخبارية إسرائيلية على إيران حتى يومنا (حسب الصحف الإسرائيلية)... وقد كانت العلاقات التركية السورية متوترة دائماً على خلفية الصراع التاريخي على بلاد الشام، وباحتلال إقليم الإسكندرون وضمّه من قبل تركيا، وبالموقف التركي من الوحدة السورية المصرية، وتهديدات تركيا المستمرة لسوريا، ودعم سوريا لحزب العمال الديموقراطي الكردستاني الذي انتهى بتهديدات تركية «حربجية» مؤثرة في نهاية فترة حكم الرئيس حافظ الأسد. كذلك أدى التدخل التركي المتكرر في شمال العراق في ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وبناء السدود على دجلة والفرات، إلى توترات مع العراق وسوريا في التسعينيات.
وأخيراً نشر بالتفصيل أن الطائرات الإسرائيلية التي قصفت موقع دير الزور السوري في أيلول/ سبتمبر 2007 بادّعاء أنه تجري فيه محاولة إقامة مفاعل نووي، قد حلّقت عبر الأجواء التركية، وما ذلك إلا من بقايا العلاقة العسكرية التركية الإسرائيلية التي توّجها اتفاق التعاون الاستراتيجي منذ 1996. وأشكّ، في هذه الحالة، في أن يكون الجيش التركي قد أعلم السياسيين من حزب العدالة والتنمية بإتاحته استخدام الأجواء التركية للطائرات الإسرائيلية، إن كان قد سمح بذلك فعلاً.
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بعد فشل تجربة الرفاه وأعاد تعريف ذاته، كان أول امتحان له هو احتماء حكومته بأغلبيتها البرلمانية من طلب الولايات المتحدة عام 2003 استخدام الأراضي التركية للهجوم على العراق. لقد تمكّن من رفض هذا الطلب الأميركي محتمياً بإجراء ديموقراطي حقيقي وقواعد شعبية فعلية. هذا السلوك الجديد لحليف مشرقي للولايات المتحدة سيمثّل عينة تمثيلية عن سلوكه السياسي. إنه يستخدم الديموقراطية كتعبير عن الإرادة السيادية لرفض التبعية للولايات المتحدة. وربما كان ذلك أهم ما يجدر بالرأي العام العربي الاستفادة منه في هذه التجربة التركية المشرقية الرائدة.

تدهور العلاقة التركيّة الإسرائيليّة

بعد الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية الذي نُظِّم بقيادة جمعيات أهلية تركية وبدعم من القوى الإسلامية من قواعد حزبَي الرفاه والسعادة في تركيا واستشهاد 9 من النشطاء الأتراك على السفينة مرمرة، شهدت المنطقة والعالم على مستوى مجلس الأمن تسارعاً في تدهور العلاقة التركية الإسرائيلية. ولا شك في أن هذا التصعيد قد واصل تفاقم أزمة تشوب العلاقة بين الطرفين. ومن هنا تسرّبت إلى التحليلات العربية نزعة لقراءة هذا التدهور كخط متصاعد ومستمر منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002. وغالباً ما تعدّد الوقائع الآتية في هذه القراءة:
1. تصريحات أردوغان منذ بداية فترته الثانية والتي تكرر ربط تطوير العلاقة التركية مع إسرائيل بمدى إحراز تقدم في عملية السلام. وتعليقاً على هذا الدليل الذي يُجلَب لإثبات أن التدهور قديم نقول: صحيح أن هذه التصريحات أغضبت إسرائيل، ولكنها أتت في سياق البحث عن دور تركي سياسي يتلاءم مع إدراك تركيا لدورها الجديد بوجود حزب العدالة والتنمية في الحكم، وهو دور يتطلّب موقفاً أكثر توازناً بين العرب وإسرائيل بدل الانحياز إلى الموقف الإسرائيلي، والتسليم بأن عملية السلام هي احتكار أميركي.
2. تطوّر العلاقات التركية السورية تطوراً لافتاً. وقد تحوّل الدور إلى محاولة تركية فعلية للوساطة. وهو ما شجعته إسرائيل والولايات المتحدة بتمكين تركيا من أدائه رغبة منهما في وجود قائد معتدل ذي صدقية للعالم الإسلامي، ولإبعاد سوريا عن إيران. ولكنّ دور تركيا فُهِم أنه ينحاز بالتدريج إلى الموقف السوري، وفي الوقت ذاته لا ينجح، وربما في الواقع لا يرغب، في إبعاد سوريا عن إيران.
3. استقبال مجموعة من قيادات حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية وتأليف (الحكومة الفلسطينية) في عام 2006. وهو استقبال لم تعقبه اجتماعات على أعلى مستوى، وتوقفت الدعوات منذ أحداث غزة وانهيار حكومة الوحدة الوطنية. وكان واضحاً أنه بالاتصال مع حماس استثمرت تركيا رمزياً وجود حزب ذي طابع إسلامي على الأقل في الحكم، وراهنت على إمكان أن تؤدي دور الوسيط في المستقبل. فهي حاولت علناً إقناع الغرب وحماس في الوقت ذاته بضرورة إشراك حماس ومشاركتها في ما يسمى «عملية السلام».
4. واقعة الصدام بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في نهاية كانون الثاني/ يناير 2010، حين حاول الأخير تبرير العدوان الإسرائيلي على غزة أمام رئيس حكومة تركي شعر بالإهانة والخداع لأن رئيس الحكومة الإسرائيلي إيهود أولمرت زاره في أنقرة في 22 كانون الأول/ ديسمبر 2008 قبل يوم واحد من العدوان على غزة دون أن يُطلعه على الأمر، وقد شعر أنه طُعن في ظهره لأنه الوسيط المتورّط في عملية تفاوض جارية مع سوريا، إذ لا بد أن يفشلها هذا العدوان. هذه الواقعة مهمة طبعاً، ليست بحدّ ذاتها بل لأنها أول إشارة إلى حصول تحوّل حقيقي. فمنذ العدوان الإسرائيلي على غزة، تطورت ديناميكية سلبية في العلاقات بين الطرفين. ولا نعتقد أن هذه الديناميكية كانت خياراً تركياً واعياً منذ البداية. لم يكن هذا تطوراً حتمياً للأمور، بل كانت له علاقة مباشرة بالغطرسة الإسرائيلية، وبعدم قدرة قباطنة الكيان الصهيوني على فهم ما يجري في دولة حقيقية من جدلية بين القواعد الشعبية لحزب حقيقي وقيادة الحزب من جهة، وتطور العلاقة مع العالم العربي من جهة أخرى.
من هنا استمرت إسرائيل بنهجها عبر ما تعرّض له السفير التركي في إسرائيل، حين استدعاه نائب وزير الخارجية إلى مبنى الوزارة، وتعامل معه بطريقة مسيئة وخارجة عن الأعراف الدبلوماسية. كانت هذه حماقة ناجمة عن الغرور وفرصة جديدة لأردوغان، ليس فقط لتمثيل الخيار الإسلامي الشرقي على مستوى هوية تركيا، بل أيضاً الكبرياء القومي التركي، ما وسّع قاعدته الشعبية وأدّى إلى إحراج أحزاب اليمين العلمانية التركية المؤيّدة لعلاقة أوثق مع إسرائيل... لقد اضطرت جميعها إلى أن تدين السلوك الإسرائيلي من منطلق كرامة تركيا.
وبعد الهجوم الإسرائيلي على أسطول الحرية، ألقى أردوغان خطاباً في مجلس الشعب التركي رأى فيه الجريمة الإسرائيلية وقتل 9 من الأتراك «عملاً دنيئاً وغير مقبول»، وأن عليها دفع ثمن ذلك، كذلك رأى رئيس تركيا عبد الله غول أن العلاقات التركية الإسرائيلية لن تعود إلى ما كانت عليه قبل هذا الاعتداء. واستدعت تركيا سفيرها من إسرائيل، وألغت مناورات عسكرية كان من المقرر إجراؤها. ومن الجدير ذكره أن لسحب السفير التركي من تل أبيب سوابق. ففي عام 1982 سحبت تركيا سفيرها احتجاجاً على الحرب على لبنان، وقد احتاج الأمر إلى عشر سنوات لإعادته. لقد حصل تدهور جديّ في العلاقات، وارتفعت النبرة الرسمية التركية الناقدة لإسرائيل، ورافقتها عملية تعبئة للرأي العام التركي قامت بها قواعد الحزب.
قراءة التدهور في العلاقات كأنه تعبير عن خيار أيديولوجي سابق ومعدّ سلفاً ويبحث عن فرص للتصعيد هي في رأينا تعبير عن فهم أيديولوجي عربي محمّل بالأمنيات، أو ما أسمّيه «خطاب التمني». وفي ما عدا تجاهلهم سياقات الأحداث المنفردة (التي حاولنا وضع الوقائع أعلاه في إطارها، في محاولة لفهم الوقائع التي تكرر خارج السياق كإثبات لموقف أيديولوجي وليس فرضية بحثية)، فإن أصحاب هذه القراءة للموقف التركي كأنه استعادة لأمجاد الإمبراطورية العثمانية يتجاهلون وقائع أخرى حدثت منذ تولّي العدالة والتنمية الحكم بجدارة وكفاءة في تركيا. وهي وقائع تؤكد نظرية ازدياد أهمية تركيا ووزنها، وتنامي الوعي السياسي لهذه الأهمية في عهد العدالة والتنمية، كما تؤكد في رأينا أنه في البداية رغب حزب العدالة والتنمية في ترتيب العلاقات مع إسرائيل لا تخريبها. فنظرية تصفير المشاكل مع الجيران، التي جاء بها وزير الخارجية الحالي أحمد داوود أوغلو لتمكين تركيا من تظهير طاقتها وإمكانياتها الحقيقية، تشمل في ما تشمل أرمينيا واليونان وسوريا وإسرائيل، ودول آسيا الوسطى طبعاً.
لقد رغبت تركيا العدالة والتنمية في تطوير العلاقات مع إسرائيل ومع العالم العربي لتتمكن من أداء دور سياسي يتلاءم مع حجمها ومع تمثيلها لخيار سياسي شعبي. وهذا الخيار السياسي الشعبي يتضمن رغبة في مواقف سيادية تركية غير تابعة لأميركا، وغاضبة على أوروبا، وليست في جيب إسرائيل في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعلاقة مع العرب.
لقد تضاعف حجم التبادل التجاري مع إسرائيل في عهد أردوغان، كذلك وقّعت العديد من اتفاقيات التعاون العسكري والاقتصادي بين الطرفين. ولكنّ التبادل التجاري مع العرب تضاعف مرات عدة أيضاً.
وبحسب مركز الإحصاءات التركي، فإن حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل والعرب هو على الشكل الآتي: ارتفع حجم التبادل مع إسرائيل من 1.33 مليار في 2002 إلى 2.58 مليار في 2009. وفي الفترة نفسها، ارتفع التبادل مع الدول العربية من 5 مليارات إلى 30 ملياراً. وهناك حالياً 200 شركة عربية يبلغ حجم استثماراتها في تركيا 6.2 ملياران دولار.
في صيف عام 2005 استضافت تركيا أول اتصالات علنية رسمية بين باكستان وإسرائيل (وزير الخارجية الباكستاني خورشيد قصوري مع وزير الخارجية سيلفان شالوم). رتّب أردوغان الموضوع شخصياً، بناءً على طلب حاكم باكستان في حينه الجنرال مشرّف، بعد أن وفّر الانسحاب الإسرائيلي من غزة حجة لمشرّف للقيام بذلك.
وفي بداية العهد الثاني للعدالة والتنمية، في تشرين الثاني 2007، ألقى شمعون بيريز خطاباً بالعبرية في البرلمان التركي، هو أول خطاب لرئيس إسرائيلي أمام برلمان دولة ذات غالبية مسلمة.
ومع تجديد المفاوضات بين سوريا وإسرائيل بوساطة تركية في إسطنبول في 2008، بدا أن تركيا تستثمر علاقاتها مع الجميع بمنتهى الذكاء لأداء دور سياسي وسيط وعظيم الأهمية. وقد برز وزن تركيا الجديد في اختيار أوباما برلمانها منصة لإلقاء خطاب يوم 6 نيسان 2009 (ما أثار حفيظة النظام في مصر طبعاً. وقد تجلّى له فجأة أن الدور التركي الأكثر استقلالية عن أميركا يحظى باحترام أميركي أكبر. كذلك فإنه من الأكثر منطقية أن يُلقي الرئيس الأميركي كلمته في برلمان دولة إسلامية يسودها نموذج ديموقراطي برلماني كما يعرفه الغرب. وبعد شهرين خاطب أوباما العالم الإسلامي، حسب الصورة التي رغبت الدعاية الأميركية في إنتاجها للخطاب، من القاهرة في حزيران 2009).

معنى حدّة الموقف التركي من إسرائيل

لا شك في أن الهجوم الإسرائيلي على غزة بعد أقل من يوم من زيارة أولمرت لتركيا قد مثَّل نقطة تحوّل، وقد سبقها توثيق للعلاقات السورية التركية أيضاً. ومع انهيار سياسة المحافظين الجدد في المنطقة وأزمة عكاكيز النظام الأميركي العربية، تجلّت مساحة واسعة فارغة لأداء دور أقوى على الساحة العربية، ما تطلّب أخذ مسافة أبعد من إسرائيل، وأدى إلى حساسية الدول العربية التي لا ترغب في قواعد لعبة جديدة يفرضها مشارك جديد قوي ويحظى باحترام الولايات المتحدة وبشعبية في الشارع العربي والإسلامي. إضافة إلى ذلك، فقد وقع ما كانت تخشاه تركيا، وهو تنامي الدور الذي يؤديه إقليم كردستان شبه المستقل في العراق، ما وسَّع من مساحة الهموم المشتركة مع إيران وسوريا. فهذه الدول تخشى من دور كردي فيها تتحكم فيه عوامل دولية، وخاصة أن إسرائيل تدعم بوضوح أحزاباً كردية تعمل في إيران، كذلك فإن هنالك شبكة علاقات واسعة لإسرائيل وأجهزتها الأمنية في إقليم كردستان العراق.
ولكنّ العامل الرئيسي، في رأينا، الذي لم يفهمه الإسرائيليون، أن حزب العدالة والتنمية ليس فقط حزباً بالمعنى الحديث للكلمة، لديه قواعده ورأيه العام الخاص به من ضمن الرأي العام التركي، بل هو الحزب التركي الأكثر قرباً إلى مفهوم الحزب والأكثر اعتماداً على رأيه العام من بين الأحزاب التركية الحاكمة جميعاً. فهو ما زال غير قادر على الاعتماد على مصادر قوة متجذّرة في جهاز الدولة، وما زال جهاز الدولة مسرح صراع بالنسبة إليه، حيث يواصل مكافحة الفساد منذ قدَّم كلاً من مسعود يلماظ وطانسو تشيلر إلى المحاكمة بتهم الفساد، وحيث يواصل مجابهته الفريدة والتدريجية مع الجهاز العسكري ومع جهاز القضاء حامي حمى النظام الأتاتوركي، والذي يعترض على قوانين تسنّها غالبيته البرلمانية. ويتراوح موقف الجهازين من وجود العدالة والتنمية في السلطة بين التحفّظ والعداء.
والحزب مضطر أكثر من أي حزب آخر إلى الاعتماد على الرأي العام وعلى قوته في المجتمع المدني بالمعنى التقليدي للكلمة، أي بمعنى اقتصاد السوق والمجتمع الذي يعيد إنتاج نفسه خارج علاقات القسر الدولتية.
لقد بدأ خيار الانفتاح على الشرق من قبل نظام السوق التركي في الثمانينيات، ولكنه ترسّخ في فترة تورغوت أوزال الذي مثّل طموح رأس المال التركي للاستثمار والتوسع بطريقة براغماتية إلى درجة محاولة التخفّف من الأيديولوجيات، بما فيها العلمانية المغالية. وقد فاز حزب أوزال، «حزب الوطن»، بأغلبية الأصوات عام 1987، وقد شمل ليبراليين وقوميين وعلمانيين وإسلاميين.

اعتراض العرب على دور تركيا يثبت أنّ هؤلاء يعادون أيّ موقف كفاحي سلمياً كان أو عسكرياً

وكانت تلك هي المرحلة التي سبقت الأزمة التي أدّت إلى تحالف أربكان (حزب الرفاه) مع تشيلر، ثم قبول تشيلر بعد أزمة الفساد التي لاحقتها، بأربكان رئيساً للحكومة. وبعدها حلّ الجيش البرلمان. وفي عام 1994 فاز الحزب بـ19% من الأصوات في الانتخابات المحلية، بما في ذلك رئاسة بلدية إسطنبول. وعرف حينها الشاب رجب طيب أردوغان الذي تابع الرهان بعد منع حزب الرفاه، وإنشاء العدالة والتنمية وانتخابه رئيساً للحكومة عام 2002. وقد وطّد حكمه طيلة العقد الأول من هذا القرن. لقد حققت سياسة الحزب الاقتصادية إنجازات كبرى على مستوى النمو ومكافحة التضخم وارتفاع دخل الفرد وعلى مستوى جباية الضرائب، ما مكّنه من اتباع سياسة اجتماعية في دعم الفئات الفقيرة في تركيا. وفي عهده تحول الاقتصاد التركي من اقتصاد فاشل إلى اقتصاد متطور (الثالث بعد الصين والهند في نسب النمو) وتغلّب على التضخم المريع، وكوفح الفساد بمثابرة، وقُلّصت الديون للخارج وارتفعت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار.
لقد أكسبت النجاحات الاقتصادية الحزب حلفاء جدداً على مستوى الطبقات التي غالباً ما دعمت الأحزاب العلمانية المتشددة، وخاصة لقدرته على الجمع بين توسيع الحريات المدنية وارتفاع مستوى المعيشة والنمو الاقتصادي عموماً واتباع سياسة سلمية منفتحة داخلياً تشمل الاهتمام بالمناطق الكردية، والسماح للأكراد باستخدام لغتهم لغرض احتوائهم وعزل العنف السياسي.
ولكن إضافة إلى هذه المنجزات، علينا أن نرى أن القاعدة الاجتماعية للحزب هي أيضاً صاحبة خيار على مستوى الهوية، هوية تركيا. وقد مثّلت سياسة الحزب حالة توفيقية بين قبول قواعد اللعبة التي وضعت في عهد أتاتورك والمتعلقة بالوطنية التركية، وفصل الدين عن الدولة أو تحييد الدولة دينياً من جهة، وبين خيار شرقي إسلامي على مستوى الهوية التركية من جهة أخرى. وهو خيار متعايش مع الحريات المدنية ويحترمها، ومتعايش مع علمانية النظام. وتظهر الاستطلاعات موقفاً حاداً من السياسات الأميركية مع تمسّك بالديموقراطية، وغالبية تؤيد السماح بالحجاب في الجامعات، ولكنّ هذه الغالبية نفسها تؤيد استمرار تحييد الدولة في الشأن الديني، ولا تتحسّس من السفور. ولا شك في أن تعبيراتِ تَمَيُّزِه لا بد أن تظهر على مستوى الهوية الشرقية الإسلامية لتركيا، وخاصة بعد اتضاح حقيقة الموقف الأوروبي من ضمّ تركيا إلى الاتحاد.
وهكذا نرى أن غالبية خلافات تركيا الأخيرة مع إسرائيل بدأت على مستوى الرأي العام في قواعد الحزب الاجتماعية، إن كان ذلك على مستوى التضامن مع غزة أثناء الحرب، أو الغضب الشعبي على كيفية تعامل إسرائيل مع السفير التركي، وأخيراً المبادرات الأهلية لتسيير سفن كسر الحصار.
لم تصبح خيارات حزب العدالة والتنمية الداخلية والخارجية خيارات دولة بعد. فهي ما زالت خيارات حزب سياسي في الحكم. أي لم تصبح من القضايا المسلّم بها من قبل جهاز الدولة. وكمثال على خيارات الدولة، فإن المسلمات التي يعمل على أساسها الحزبان الديموقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة والمتعلقة بالأمن القومي الأميركي والنظام الرأسمالي والليبرالية السياسية هي خيارات دولة. وكذلك التسليم من قبل كل الأحزاب التركية، بما فيها حزب العدالة والتنمية، بعلمانية الدولة، هو دليل على أن العلمانية هي خيار دولة ويسعى حزب العدالة والتنمية إلى تخفيف حدّتها، بنجاح، في رأينا، حتى الآن... أما الإضافة التي يجلبها حزب العدالة لناحية أن تولّي تركيا وجهها شرقاً، وأن تعمل كدولة وطنية مستقلة الإرادة في القضايا الإقليمية، بما فيها العراق وفلسطين وإيران، فما زالت خيارات حزب حاكم، ولم تصبح بعد خيار الدولة. ومن الواضح أن فئات اجتماعية أوسع أصبحت قادرة على تقبّلها، وأن جهاز الدولة نفسه يتغيّر تدريجاً لمصلحتها كلما طالت مدة الحزب في الحكم. ولنتخيّل كيف سيبدو الجيش وجهاز القضاء بعد فترة أخرى أو اثنتين من حكم الحزب.
من هنا، فإن السياسة الخارجية التركية، بما في ذلك تجاه العرب وقضية فلسطين، ترتكز على موقف الأكثرية في بلد ديموقراطي. وهذا يعني:
أ. صدقية الموقف التركي المنطلق من تصوّر لمصلحة تركيا وهويتها على قاعدة رأي عام وقواعد شعبية فاعلة في انتخابات مقبلة، كما فعلت في انتخابات سابقة. ولا بد أن يقنعها الحزب الحاكم بأن مواقفه تتلاءم ليس فقط مع برنامجه الذي انتخب على أساسه، بل أيضاً مع مصالحها ومع مصالح تركيا العليا.
ب. تولد موقف تركي معارض لهذه المواقف ناجم إما عن التنافس الحزبي وإما عن اختلاف تعريف هوية تركيا ومصالحها، أو عن كليهما.
ج. اضطرار الحزب إلى التوفيق بين موقفه وقدرة الدولة على الاستيعاب، وأيضاً قدرة الرأي العام التركي والعملية الديموقراطية على استيعاب الموقف، فهما مصدرا قوة الحزب الرئيسية. وهو في النهاية حزب سياسي في دولة وطنية. وهو لا يحاول أن يتحول إلى حزب قائد يستند إلى توافقات بين إثنيات وطوائف في إمبراطورية، ولا أن يكون حزباً قائداً في العالم العربي. وهو يمثّل الرأي العام التركي ويسعى إلى أن تصبح خياراته الرئيسية خيارات دولة، خيارات إجماع، كما قَبِل هو قواعد لعبة الدولة الديموقراطية العلمانية وانتُخب على أساسها.

عود على بدء

ونختم من حيث بدأنا. الأصل في العلاقة العربية التركية من الزاوية العربية هو ليس ما تريده تركيا، فهذا أمر يمكن ارتكاب أخطاء طفيفة بشأنه لو استمع المرء إلى المسؤولين الأتراك مع بعض المعلومات التاريخية ومع إعمال العقل قليلاً. فهنالك دولة تركيا، لها مواقف ومصالح، ويجري فيها صراع واضح المعالم. ولكن المشكلة في معرفة ماذا يريد العرب، إذ لا توجد دولة عربية ولا كيان سياسي عربي موحّد يعبّران عن إرادة عربية أو حتى عن خلافات وصراع عربي واضح المعالم، وهنالك كمية من الخيبات والإحباطات تشوّش الرؤية العربية لحقيقة الموقف التركي أيضاً.
وفي رأينا، سيُلحق هذا الأمر الضرر ليس فقط بالعرب، بل أيضاً بقضية تقدم الموقف التركي وتطويره. وهنالك أصلاً مشكلة تواجه تركيا حتى عندما ترغب في رفع سقف مطالبها ونبرة خطابها بشأن حصار غزة، هي أن دولاً عربية تعارض ذلك، وكأنها تطلب من تركيا أن لا تكلّف نفسها عناء التدخل وأن تكفّ عنهم تدخّلها لمصلحة العرب. وطبعاً لا يستبعد المرء، بناءً على التجربة، أن تشكو بعض الدول العربية الموقف التركي إلى المعلم الأميركي لأنه يحرجها أمام شعوبها.
وتستجد ثانياً مشكلة أخرى مع من يريد أن يزعِّم تركيا عربياً. وهذا مخالف لرغبتها. لا ترغب تركيا في أن تقود محور ممانعة ومقاومة، والتعامل معها على هذا الأساس يخلق لحزب العدالة والتنمية مشكلة فعلية في مواجهة الأحزاب الأخرى وجهاز الدولة، ويسهِّل عليها اتّهامه بأنه يبعد الدولة عن أجنداتها، وأنه يجر دولة وطنية إلى أن تكون عربية أكثر مما يريد بعض العرب أن يكونوا.
وثالثاً وأخيراً، تبرز مشكلة مع من يقلِّد دور تركيا، فيتراجع بذلك فيما تقدمت هي. نموذج الخلاف التركي الإسرائيلي بما فيه صراع المجتمع التركي بالطرق السلمية ضد إسرائيل، هو خلاف وصراع يليقان بدولة في حالة سلام مع إسرائيل. وهو مؤثر لأنه يدور في هذا الإطار. هذه خصوصيته. أما إذا اتبعت هذه اللغة وهذا الأسلوب دول وحركات هي في حالة حرب مع إسرائيل، أو هكذا يفترض أن تكون، فإنه لن يؤثر. فوسائل تأثير حركات (المقاومة والدول) في حالة الحرب هي وسائل مختلفة تماماً، وعليها أن تمارسها، أو تصبر إلى أن تمارسها. أما تقليد الخطاب والأسلوب التركيين فيُعدّ تراجعاً بالنسبة إليها، وسيقودها في النهاية إلى تراجعات حتى على مستوى الخطاب.
لا بد من رؤية أهمية التحالف مع تركيا، مع فهم خصوصيتها. ولكنّ التحالف لا يعني أن نفرض على تركيا فهمنا وتصورّنا لها، بل أن نتركها تدير صراعاتها كما ترى، وأن نقدم المشورة حين تطلب منا، وأن نعبّر عن كلمة وتقدير وعرفان حتى حين لا يُطلب ذلك.


مفكر قومي عربي

 



لم أُرسِل خطاباً

 

تعقيباً على ما نشر أمس في بيروت عن إلقاء كلمة باسم الدكتور عزمي بشارة في مسيرة التضامن مع الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين، أوضح الدكتور بشارة الآتي:
«مع تأكيد دعمي للمسيرة، ومواقفي الداعمة للمطالب التي قامت المسيرة من أجلها، إلا أنني لم أرسل كلمة لتقرأ في الاحتفال. صحيح أن مقالاتي المنشورة في وسائل إعلامية مختلفة أعدّها ملكاً للجمهور، ويمكن من يريد أن يقرأ مقتطفات منها، لكن هذا لا يعني أنني أرسلت خطاباً كي يُقرأ»

Add comment


Security code
Refresh