لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الاثنين, 22 يناير 2018

يزعجني اليسار

إرسال إلى صديق طباعة PDF

دياب أبو جهجه--

 

لا أدري لماذا يزعجني اليسار مؤخرا... مع أنني يساري بالتعريف الكلاسيكي لليسارية اي من حيث كوني اشتراكيا في الاقتصاد, تقدميا في الاجتماعيات و قوميا في اشكاليات التحرر الوطني.  الا أن اليسار يزعجني لا بل يقززني.

اليسار الحزبي يزعجني لأنه فاشل, فاشل في أن يفرض نفسه على الساحة كقوة وازنة ذات قيمة على كل المستويات. و بدل طرح برنامج بدائل حقيقية يكتفي بترداد خطابات جوفاء اصبحت من الارث المشترك للبشرية بيسارها و بيمينها, أي ان مكانها هو كتب تاريخ الافكار السياسية و ارشيفات الصحف. يزعجني اليسار الحزبي لأنه استعراضي و مخادع. فهو يتصرف و كانه لا يزال في السبعينات و الستينيات حيث كانت معه جماهير جرارة و لا يريد أن يعي أو لا يريد أن يعترف بأنه يعي أنه اليوم هامشي بكل ما في الكلمة من معنى.  اليسار الحزبي يبالغ في اعلان حجمه التمثيلي, و ثقله التنظيمي و انتشاره الجغرافي. يطبل و يزمر و يثير الضجيج لكي يرمي له الاقطاعيون السياسيون بعض فتات مائدتهم يعتاش منها بين المرحلة و لاحقتها.


 

أما اليسار اللاحزبي الموضوي (من موضة) فيزعجني من منطلقات مختلفة. أولا لأنه يتعالى على اليسار الحزبي و يعتبر نفسه افضل, بينما الواقع عكس ذلك فيساريو الموضة  مطبلون فارغون كطبولهم. راقصون مترنحون و فوضويون محترفون  ليس فقط بمعنى "الانارشية" و انما اكثر بمعنى الفوضى العقيمة (عكس الخلاقة) التي نجدها مثلا على طرقات لبنان بين السائقين. انه يسار ضد كل شيء بما فيه نفسه. يمر بحالة مراهقة سياسية سرمدية تترجم بسيل من الشتائم لا ينضب. يريد منع أغنية هنا و يكره هذه الممثلة و يتحامل على ذاك الكاتب "القومجي" هناك و يؤمن بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة الا انه طبعا (و المفارقة غريبة عجيبة ) يكره الاصولية و الاصوليين.  يسخر من المؤمنين و المؤمنات من ممارسي الاديان و لكنه يتعبد لأقانيم اله ثوري و يردد ترانيمه و يمارس طقوسه.

يريد أن يحارب الولايات المتحدة و لكنه يمول جمعياته الحقوقية من الفورد فاوندايشن, اما التيار الاكثر راديكالية فيرفض المال الاميركي و لا يقبل الا المعونات الاوروبية الطاهرة.

و يتفق اليسارين الموضوي و الحزبي على نقاط كثيرة أهمها المطالبة بحق تقرير المصير لكل شعوب العالم الا الشعب العربي.  يعني لا وجود لجماعة عرقية او دينية او اثنية في العالم الا و يريد اليسار تحررها و تقدمها الا انه و في بلادنا يرفض المشروع القومي و يرفض حق تقرير المصير للشعب العربي. يظهر اليسار بذلك عموما قبوله بالتقسيم الكولونيالي للمنطقة و بقيام الكيان الغاصب من حيث يدري او لا يدري.  و ينغمس اليسار في الكيانية المحلية متحولا في أحسن حالاته الى يمين أعسر, و يتعصب للبنان و للأردن و لمصر بينما ينتفض في وجه أي دعوة لتخطي هذه الحدود الى فضاء عربي موحد تحت حجة أنها القومجية المقيتة.

و ما يفوته  هو ان القومجية هي الانعزالية القطرية و ليست القومية العربية التي تدعو الى الانفتاح على الآخر و التوحد معه. القومجية هي الوطنجية اللبنانية مثلا و هي المبنية على نوع من العنصرية المستوردة من بلاد الرجل الابيض و الموجهة نحو العربي الأسمر لونا أو شخصية. أما القومية العربية فهي قفزة انسانية نوعية فوق العنصرية و ضد العرقية و نحو المواطنة المبنية على قاسم حضاري و ثقافي مشترك لا على طائفة أو لون. لا تستطيع أن تكون قوميا عربيا و عنصريا في آن لان قوميتنا بمضمونها الانساني الاعمق توحد اللبناني مع السوداني و مع الموريتاني مع اليمني و أكاد ارى وجوه الشوفينيين اللبنانيين المدعين لليسارية تكفهر من مجرد ذكر فكرة الوحدة بين بلدهم " الكلاس" و هذه البلاد "المسكينة" و السوداء.

لا تستطيع أن تكون يساريا حقيقيا اليوم من دون أن تكون قوميا عربيا. لا بل لم يكن ممكنا يوما أن يكون هنالك يسار في بلادنا خارج المنظومة المعرفية القومية العربية, لانه و ببساطة لا يسار مع القبول بالحدود الكولونيالية, و لا يسار مع الانعزالية العرقية و لا يسار مع التقوقع الطائفي مثلما أنه لا يوجد يسار صهيوني لأن اليسار يتناقض حتما مع المشروع الاستعماري. و هنا يكمن غباء من يتحدث احيانا عن اليسار الاسرائيلي و عن الحوار معه.

يزعجني اليسار لأنه ليس يسارا, لانه أصبح ساترا خطابيا  لاحزاب محتضرة دون ان تدرك انها كذلك, و لديناصورات منقرضة من دون ان تدرك انها كذلك أو أصبح صرعة لاناس هائمين على رائحة الحشيش يقرعون الطبول و ينادون بحقوق المثليين الجنسيين و الماو ماو و الكلاب و القطط و كل ما يرشح عن أصنام دين "الصحيح سياسيا" المنطلق من حانات سان فرانسيسكو و من أجندات منظمات التمويل المرتبطة بالدوائر ذاتها التي مولت و تمول مشروع تحويل هذا الوطن العربي الكبير الى مزارع للاثنيات و الطوائف و المذاهب تحت راية التعددية.

يزعجني اليسار لأنه يميني و لأنني قومي تقدمي لا أنخدع بالمسميات و انما أرى المضمون الكامن وراء الكلمات و خلف مظاهر الافعال.  يزعجني اليسار للمرة الأخيرة اليوم و أنا أقوم بفعل التكفير اليساري معلنا يمينية الاحزاب اليسارية لأنها جامدة رجعية. و أعلن يمينية يسارالارصفة و الازقة و المقاهي و الطبول و النسوية المفرطة و المثلية السافرة لانه بورجوازي نخبوي استلابي كلبي و كولونيالي الثقافة معاد للقومية و للهوية. و اغني مع عبد الحليم  بقناعة " للاشتراكيين, الف سلام, الحقيقيين الف سلام, لجمال و اخوانه الف سلام!" نعم للاشتراكيين و اليساريين الجذريين القوميين الحقيقيين الف الف سلام  و ليسقط اليسار المزيف مرة و الى الأبد.

Comments  

 
0 #1 محمود 2010-09-08 21:34
مقال جيد وعميق، لكن استعمال مصطلحات كالغباء وغيرها من أساليب شتيمة وتقزيم الآخر المختلف في الرأي والمنهج هو تناقض يضعك في نفس خانة من تهاجمهم.
Quote
 

Add comment


Security code
Refresh