لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية » تعريف بالرابطة
الأربعاء, 28 يونيو 2017

البيان التأسيسي لرابطة القوميين العرب (مسودة)

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

مقدمة

هنالك عاصفة تتلبد غيومها في آفاق أرض العرب الشاسعة من الخليج العربي الى سواحل المغرب العربي الأقصى و من تخوم الاسكندرونة الى أعماق الصحراء الكبرى , عاصفة تتوعد بسيول جارفة لكل من يقف في طريقها محطمة كل الأطر المهترئة و العفنة و المترهلة. انها عاصفة النهضة الثانية للقومية العربية.
من بذور مباركة لمفكرين قوميين كبار أمثال قسطنطين زريق و ساطع الحصري و ميشيل عفلق و زكي الأرسوزي و عصمت سيف الدولة و نديم البيطار و ياسين الحافظ و غيرهم الكثير الكثير من أساطين الفكر القومي التحرري في بلادنا. 
و من نضالات و تضحيات القادة و المناضلين القوميين الكبار من أمثال شهداء المشانق العثمانية في بيروت و دمشق الذي استشهدوا و هم يصيحون " الى الموت, الى حياة الأمة العربية" , وصولا الى الشهيد يوسف العظمة بطل ملحمة ميسلون و شهداء و أبطال ثوراتنا المباركة في عشرينات القرن الماضي في العراق و سوريا و لبنان و فلسطين و مصر و ليبيا و المغرب العربي أمثال أدهم خنجر و عز الدين القسام و أحمد عرابي و عمر المختار و عبد القادر الجزائري و عبد الكريم الخطابي , و من قادة و مجاهدي ثورة الجزائر المجيدة الى القائد الخالد جمال عبدالناصر الى الالاف المؤلفة من قادة و شهداء الحركة القومية في بلادنا.
الى المعارك التي خاضتها الحركات و المنظمات القومية العربية من العربية الفتاة الى الجمعية القحطانية الى جمعية العهد. و من حزب البعث العربي الاشتراكي الى حركة القوميين العرب الى الحركات الناصرية و القومية جميعا.
هذه هي جيناتنا الفكرية و العقائدية و هذا هو حمضنا النووي التاريخي فنحن فرسان العروبة تلامذة هؤلاء المفكرين النجباء, و نحن على خطى هؤلاء القادة و الشهداء و ندين بالكثير لهذه الحركات و الأحزاب. 
و نحن في نفس الوقت لسنا استنساخا لأي تجربة تاريخية و لا بديل لأي اطار تنظيمي و لا مبشرين بأي طرح عقائدي. أن ما يجمعنا هو الحد الأدنى من التوافق الفكري حول مبادئ هي خطوط حمراء لكل قومي عربي . و الحد الأقصى من الالتزام الأخلاقي و النضالي و نكران الذات من أجل تحقيق ذلك الحد الأدنى.


لمحة تاريخية

نحن لسنا هنا بصدد اعادة صياغة فكرية للمنطلقات القومية في وجود الأمة و ضرورة وحدتها و ضوابط حركتها التاريخية و الاجتماعية و لا في تعريف القومية و مناقشة كونها مكتملة تاريخيا أم مشروع مستمر قيد البناء. و لا نحن نسعى الى انتاج فكر جديد بديل عن المكتبة القومية العربية الهائلة و الغنية كما و نوعا بالاف الدراسات و نحن نعتبر هذا الغنى في الفكر القومي ثروة لنا ومعينا لا ينضب للتعلم و التطور. و لكننا ننطلق من قناعة فطرية مشتركة بالانتماء العربي و بالعروبة هوية لنا و نبني عل أساسها حراكا قوميا وحدويا يواجه المشاكل التي يطرحها واقعنا من منظور قومي عربي لا لبس فيه.
كما يحركنا ادراكنا بأن عقودا عديدة مرت و الأمة العربية تتخبط في واقعها السياسي المجزء و هي تواجه تحديات الاستعمار المباشر و غير المباشر و الديكتاتورية و التناغم بين هذين النسقين في قمع الانسان العربي و المجتمع العربي و دفعه الى التبعية و التخلف و الانحطاط.

وقد انطلقت الحركة القومية العربية منذ ايامها الأولى رافضة هذا الواقع و طارحة مشاريعا وحدوية مشروعة من حيث تعبيرها عن الطموح الى التوفيق بين الشكل السياسي للامة العربية و وحدتها الموضوعية. و كانت تلك المشاريع متنوعة من حيث الشكل و المضمون فمنها الشعبوي الرومانسي و منها التقدمي الاشتراكي و منها الليبرالي و منها الفولكلوري الخالي من اي بعد نضالي. و لكنها كانت تلتقي دوما في اصرارها على وحدة الشعب العربي و تاسيس الدولة العربية الواحدة على تراب الوطن العربي.

فمن ارهاصات النضال الفدرالي العربي في اطار الدولة العثمانية الى الثورة العربية الكبرى ضد الاتراك , و من بداية تاسيس الجمعيات السرية مثل العربية الفتاة و الجمعية القحطانية الى تاسيس حزب البعث العربي الاشتراكي و حركة القوميين العرب و المد الجماهيري الناصري, مر النضال القومي العربي بعملية بلورة ايديولوجية نقلته من مجرد رد فعل على الاستبداد الطوراني التركي الى مشروع سياسي اجتماعي ثوري بكل ما في الكلمة من معنى.

و لكن لنكن صريحين, لم تتحول القومية العربية الى حركة جماهيرية عارمة تتخطى مقولاتها السياسية حدود النخب المثقفة و الواعية و تصبح اطارا عقائديا لشرائح واسعة من المواطنين العرب الا مع التجربة الناصرية و المد الناصري بين 1952 و 1970.

ربما باستطاعتنا استثناء الثورة العربية الكبرى التي طرحت القومية العربية اطارا و استطاعت حشد زخم جماهيري لها و لكنها اولا لم تطرح مفهوما سياسيا واضحا للمشروع القومي و لم تحمل اي مشروع مجتمعي معين و انحصر افقها العربي على الاقطار العربية في اسيا. و لذلك من الصعب اعتبار الثورة العربية الكبرى ثورة عربية كبرى فعلا و ان كان هذا اسمها المتداول. بل كانت تلك الثورة ثورة وطنية عروبية ذات افق محدود جدا و من دون اي مشروع سياسي واضح تقودها اقطاعية عربية رجعية انتهى الامر بها الى مساومة المستعمر و الصهيوني.

اما الأحزاب و الجمعيات القومية فقد انحصر دورها في اطار نخبوي و في اوساط الطبقة الوسطى العربية و العسكر و لم تشكل قط امتدادا جماهيريا واسعا.

مع صعود نجم جمال عبد الناصر انبلجت ظاهرة المد الجماهيري العارم المؤيد له في الوطن العربي ككل. عوامل عدة ساهمة في خلق هذه الظاهرة اهمها رؤية عبد الناصر الايديولوجية و الثورية و مواقفه المبدئية و نجاحه في مواجهة عدوان 1956 و شخصيته الفذة و سيطرته على اكبر الدول العربية و اكثرها تاثيرا, ذلك في مواجهة هشاشة الانظمة العربية الاخرى و ارتباطها المفضوح بالدوائر الاستعمارية. بالنسبة للجماهير العربية المفجوعة بنكبة فلسطين و الناقمة على فشل حكامها في التصدي للكيان الصهيوني, تلك الجماهير عينها التي كانت لا تزال تعي خطر الاستعمار و تعاني من وطأته المباشرة, فقد كانت تتطلع الى قيادة ثورية في مواجهة العدو الخارجي و عندها قابلية راديكالية للانتفاض في وجه واقعها المتردي على اكثر من صعيد.

لا نريد ان نخوض في تحليل للتناغم السيكولوجي الذي جعل من عبد الناصر قائدا جماهيريا عربيا و لكننا نريد ان نقول ان هذا الواقع و تلك المسؤولية هي التي علمت عبد الناصر القومية العربية و مبادئ الحرية و الاشتراكية و الوحدة التي لخصت مشروعه المجتمعي الثوري. عبد الناصر لم يجئ بنظرية خالصة جاهزة لتغيير الواقع و انما تعامل مع الواقع الموضوعي من منطلق التجربة و الخطا و انتج مع طليعة من رفاقه نظرية هي بنت واقعها.

و عندما انحسر المد الناصري انحسر معه المد القومي و عادت الأمة العربية للتخبط في دوامة انهزامية رغم محاولات مجموعات من المقاومين هنا و هناك الوقوف في وجه الانهيار. و انحصرت الطروحات القومية العربية في اطار الأنظمة السلطوية القمعية التي و ان كانت تحتفظ احيانا ببعض من وفاء لمسلمات قومية الا انها شوهت صورة الفكر القومي و ربطته بمرض الحكم الديكتاتوري الفاسد المستند الى هيمنة طائفة او عشيرة.

اما الحركة القومية العربية فتشتت قواها و تراجعت من موقعها الملتحم مع الجماهير الى خنادقها النخبوية من جديد. فها هي اليوم حركة للمثقفين و المتعلمين و الأدباء و المفكرين و بعض اطياف الطبقة الوسطى. اما الساحات الشعبية فخالية أو تكاد من أي وجود فعلي للحركة القومية العربية.

و لكن المد الناصري الهائل اصبح جزء من الذاكرة العربية و من الوجدان الحي للجماهير العربية ما عدا تلك الشرائح المأدلجة اساسا ضد القومية في كل تجلياتها.

الوضع الحالي للحركة القومية

أصبح عندنا من جهة جماهير عربية واسعة تركت في وجدانها التجربة الناصرية وفاء للمبادئ الثلاثة: الحرية و الاشتراكية و الوحدة في مضامينها العملية و ان تغيرت التسميات. و من ناحية أخرى نخبة قومية عربية مخلصة لنفس المبادئ حاملة لنفس المشروع الذي تحمله الجماهير و لكنها عاجزة عن ان تتواصل معها أو حتى ان تصل اليها. و بينهما هوة تنفذ من خلالها تيارات و حركات اكثر تنظيما و أكثر تصميما تستقطب جزء من الجماهير مستفيدة من تراث الحركة القومية العربية و لكن محولة مضامينه الى خطاب شعبوي عاطفي ديني.

و يبقى الجزء الأكبر من الجماهير العربية بعيدا عن التأطير السياسي و مناضلا ضد واقعه من اجل الاستمرار و البقاء و لقمة العيش مع شيء من الكرامة دون الانتماء الى تنظيم او فكر سياسي معين .

و لا يكتفي القوميون النخبويون بالابتعاد عن العمل الجماهيري بل يدينون الجماهير و يتهمونها بالبلادة و الجبن و الانسحاب من المعركة. و هم لا ينزلون الى الشارع الا في اعتصام او مظاهرة أو ذكرى وهي كلها مناسبات يلتقي فيها الناشط مع الناشط و المناضل مع المناضل. لكنهم لا ينزلون الى الشارع لكي ينشطوا بين الناس و يبنوا اطرا اجتماعية اقتصادية و مستوصفات و مدارس و اندية تكون اضافة الى طابعها الخدماتي نقاط ارتكاز شعبية و نقاط تجييش و نقاط انطلاق. لقد تركت الحركة القومية العربية مجال العمل الجماهيري المباشر للاسلاميين و الشيوعيين و انكفأت الى السطح الاجتماعي. و ان كان ظهورها لا يزال مميزا بل الابرز في الاوساط النخبوية الا ان هذا الظهور هو سطحي بكل ما في الكلمة من معنى ما لم يترافق مع زرع جذور متينة للحركة في الاوساط الشعبية.

ان الخطاب القومي العربي لا يزال هو الخطاب الأساسي و هو في تفاعله مع الخطاب الاخر الموجود بقوة على الساحة العربية اي الخطاب الاسلامي ينتج خطابا قوميا منفتحا على الأبعاد المتعددة للانتماء الحضاري العربي و مقبول من كافة القوى الجدية على الساحة من اسلامية و قومية. و اذا استثنينا التيارات السلفية و التكفيرية فان التيار الاسلامي المعتدل يتكلم اليوم بالمنطق القومي و ان كان مهجنا بابعاد اسلامية و الفضائيات العربية تساهم في اعادة تمكين الخطاب القومي العربي و ادخاله الى بيوت الجماهير العربية من الطبقة المتوسطة و الطبقة المتوسطة الفقر التي تملك تلفازا. بعض هذه الفضائيات تقودها نخب عروبية سواء قومية او اسلامية و بعضها الاخر فرض عليها السوق الاعلاني اخذ البعد العربي بعين الاعتبار في عملها و اتخاذ الخطاب القومي لكي تبيع اكثر و هذا دليل اضافي على البعد الموضوعي للامة العربية. فهل يستفيد التيار القومي العربي من هذه العوامل المساعدة؟

الصراع المحوري بين القومية و الانعزالية القطرية

نعم لقد تهافتت التنظيمات القومية العربية منذ وفاة القائد جمال عبد الناصر و فقدت الأنظمة القومية أو المدعية للقومية مصداقيتها و طبل و زمر الكثيرون من مدعي التقدمية و الحداثة لهذا الانهيار طارحين تفكيك ما اعتبروه اسطورة الوجود القومي العربي و رميها في مزبلة التاريخ و مستعيضين عن العروبة الجامعة بنزعة محلية قطرية تفصل الوطن على مقاس الدولة و بالتالي على مقاس الطبقات و الشرائح المهيمنة فيها. الا ان انحسار المد القومي السياسي و التنظيمي لم يترافق مع انحسار القومية العربية كواقع موضوعي مرتبط بالوجود الفعلي للعروبة كهوية و كموروث ثقافي لغوي و نفسي من الصعب القضاء عليه بمجرد هزيمة حركة سياسية طرحته ركيزة و منطلقا. 
مع بزوغ عصر العولمة الجديدة و بينما تهادت الراسمالية النيوليبرالية في أروقة القرية الكونية الضيقة معلنة نهاية الايديولوجيا و نهاية التاريخ و مع انفجار الثورة المعلوماتية و ثورة الاتصالات الفضائية فرض واقع اللغة و الثقافة نفسه على السوق الاعلامية العربية مكونا فضاء ثقافيا عربيا موحدا و متداخلا. فمن ظاهرة الجزيرة التي هي الضيف الدائم في كل دار عربية, الى راديو و تلفزيون العرب مرورا بالفضائيات المحلية التي تنافس على السوق العربية مثل المؤسسة اللبنانية للارسال ذات الخلفية الفكرية الانعزالية اللبنانية التي باتت اليوم من المروجين عمليا للوحدة الثقافية العربية عبر برمجتها العربية الجامعة. و بغض النظر عن أي نقد فني و ثقافي بحت من حيث مستوى الثقافة المنتجة فان العرب في عصر العولمة الاعلامية يشاهدون نفس البرامج على نفس المحطات و يشكلون فضاء ثقافيا واحدا أكثر من أي وقت مضى.
ان هذا الترابط العضوي انتج واقعا لا بد من التعامل معه بشكل ايجابي لاي طرف يريد النجاح في اي مشروع في الوطن العربي. و من هنا انتصرت القومية العربية موضوعيا و كفكرة و أضحت من المسلمات بالنسبة للسواد الأعظم من العرب. و بينما سيطرت الأحزاب الاسلامية على الساحة السياسية مالئة الفراغ الذي تركته التيارات القومية, تطعمت هذه الأحزاب بالطروحات العروبية و بتنا نرى ان استراتيجيتها الاعلامية تركز على الجانب القومي لصراعها مع أعداء الأمة أكثر من الجانب الديني.
الا أن الهجمة المضادة على العروبة قد بدأت و تشهد في لبنان و مصر و تونس و الأردن و العراق و المغرب زخما غير مسبوق. لنكن واضحين, الخطاب الانعزالي تعزز بشكل كبير و فرض على القوى القومية و الاسلامية خطابا مهادنا ملفقا يحاول أن يجد جذورا قطرية بحتة لمعركة و لتحديات هي بطبيعتها عربية شاملة. و تسلل الفكر الانعزالي الى شرائح كانت في الماضي حاضنة للفكر العروبي و باتت فكرة نهائية الكيان القطري مسلمة لا يستطيع ان يكفر بها اي كان تحت طائلة اتهامه بالخيانة العظمى. و يلتقي الخطاب الانعزالي مع خطابات تنظر لقوميات بديلة للقومية العربية و لمفهوم جديد للأمة يدمجها بالدولة القطرية و يحدها بحدودها في أحسن الأحوال أو يفتتها الى كيانات طائفية مفدرلة و متناحرة في أسوئها. و ترفد هذه الخطابات مجتمعة سيل المشروع الأميركي الصهيوني الجارف في المنطقة. 
ان الشرخ الأساسي و المحوري و الذي يمتد كالأخدود الأعظم على طول الخارطة السياسية العربية هو ذلك الذي يفصل ما بين القوى الانعزالية المتشبثة بوطنية اصطناعية مبنية على الدولة القطرية العربية و بين قوى قومية عربية تعتبر أن الدولة القطرية بحد ذاتها سبب رئيس من أسباب التخلف و الضعف و الهزيمة العربية و أن تلك الدولة القطرية و منظومتها السياسية الاقتصادية الاجتماعية هي بحد ذاتها منظومة استعمارية تشتت طاقات الأمة و تخدم أعداءها. كما تعتبر ان الهزائم المتعددة و الفشل في التنمية المستدامة لا يمكن ارجاعه الى الفكر القومي لأنه لم تسنح له الفرصة حتى اليوم للقيام بتجربته الوحدوية الشاملة, انما الفشل نابع حكما من الواقع الحالي و الماضي و هو واقع التجزئة و الانقسام. لم تفشل الدولة القومية العربية و لا حتى التكامل العربي لسبب بسيط جدا و هو انهما لم تتم تجربتهما فعليا قط. أما الدولة القطرية كمشروع و كواقع فهي اخذت فرصتها لعقود طويلة و فشلت على طول الخط. فلا هي انتجت تنمية مستدامة و لا هي انتجت ديمقراطية سليمة و لا هي انتجت تحريرا و سيادة حقيقيين في مواجهة الغزاة.
ان هذا الشرخ ذو أصول معرفية ابيستيمولوجية و هو غير قابل للحل. و لنكن واضحين هنا, ان معركتنا الحالية مع الكيان الصهيوني و من خلفه المشروع الأميركي في المنطقة لا مجال للدفاع عنها ايديولوجيا و معرفيا من منطلق محلي و قطري. المنطق القومي اللبناني مثلا مثله مثل القومية المصرية أو أي قومية قطرية يرفض رفضا باتا مفهوم الامة خارج اطار الدولة و لا يمكن أن يؤدي الا الى عزل المسار القطري للصراع مع الكيان الصهيوني عن البعد القومي العربي الأوسع و انتاج اتفاقيات انفرادية على شاكلة كامب دايفيد. فبينما ينظر القوميون العرب الى الصراع مع اسرائيل على انه صراع وجود بين مشروعين حضاريين نقيضين أحدهما عربي و الأخر صهيوني-استعماري تدور رحاه في وعاء جيو-سياسي مترابط حضاريا و جغرافيا يعرف بالأمة(عربية كانت أم اسلامية أم كلاهما) . ينظر الانعزاليون القطريون الى القضية على أساس أنها قضية نزاع حدودي بين دول تتساوى في حقها بالوجود و في" نهائية" كيانها كأمم قائمة بذاتها. و بالتالي فان التسوية مع الصهيونية ممكنة بالنسبة لدعاة هذا المنطق لا بل و كذلك التحالف ضمنيا مع الكيان الصهيوني لضرب القوى القومية أو الاسلامية" المغامرة" و الرافضة للكيانات التي ركبتها سايكس بيكو و الاستعمار في المنطقة و منها الكيان الصهيوني.
بناء على ذلك, يرتكب القوميون العرب و الاسلاميون في كل قطر عربي خطأ قاتلا اذا ما اعتقدوا بأن تبنيهم لجزء من الخطاب الانعزالي القطري سيعطيهم مساحة للمناورة أكبر من تلك التي تناورهم فيها الدولة القطرية و قواها حفاظا على وجودها و في اطار توازنات القوى على الأرض و استعدادا للانقضاض عليهم عندما تسنح الفرصة. لا بد من التذكير المستمر بطبيعة الصراع و التأكيد الصريح و الواضح على انتماء أي قطر عربي لأمة و بأنه ليس امة قائمة بذاته. فاما الأذعان للمنطق القطري و التخلي عن وحدة المعركة و طبيعتها الوجودية, أو فرض المنطق المقاوم العروبي على الدولة القطرية و جعلها قدر الامكان حلقة صمود و تصد للمشروع الصهيوني الاستعماري شاء الانعزاليون ذلك أم أبوا.

نحو طرح مشروع متكامل

لقد حان الوقت لكي نطرح كقوميين مشروعا متكاملا لمجتمعنا يرتكز على ثوابتنا التي عبرت عنها التجربة الناصرية ولكنه يبتعد عن الترديد الرومانسي الفولكلوري لمقولات معينة و تعظيم الماضي و الحنين اليه.
اذا كنا نريد الحرية و التقدم و الوحدة لأمتنا فلا بد لهذا المشروع ان يبنى على وعي كامل متكامل لواقعنا الموضوعي و للعوامل المؤثرة به و للأطراف الناشطة داخله و حوله و لحركته في المكان و الزمان. هذا الوعي لا بد من ان يتمخض عن دراسة علمية منهجية كاملة تخوض بالاقتصاد و السياسة و الديموغرافيا و علم الاجتماع و الجغرافيا-السياسية والبيئة و تربط بين كل من هذه المجالات و تضعها في اطارها الدينامي المتكامل من حيث تأثيرها على الواقع العربي و تطوره المستقبلي. و لابد من اعادة طرح المشروع الوحدوي مبنيا على ثوابته الثلاثة الحرية و الاشتراكية و الوحدة.

الحرية و التحرير معا و أولا

الأولوية هي لحرية الفرد و تحرره و لحرية المجتمع و تحرره من الاستعمار و الاستغلال. لا يمكن ان تنتظر حرية الأخرى و لا يمكن أن يحرر العبيد ارضهم من المحتل بأن يظلوا عبيدا و لا ان يتحرر الانسان من العبودية تحت نير الاحتلال. المعركة ضد القهر و الاستعباد سواء كان داخليا أم خارجيا هي معركة واحدة من اجل التحرر و يجب ان تتم في نفس اللحظة التاريخية لا ان تؤجل الواحدة من أجل الأخرى. فلذلك لا قبول بالديكتاتورية من اجل مقاومة الأجنبي الغاصب و لا قبول باغتصاب الأجنبي لارضنا و مجتمعنا و مواردنا من أجل اسقاط الديكتاتورية بل قتال للغاصب و للديكتاتور في نفس الوقت. و التحرر من الاستبداد و القهر يعني ايضا التحرر من ثقافة الاستعباد و القهر و من القيود على التعبير و الرأي مهما كان و مهما ناقض المسلمات و المقدسات. فالرأي ليس خطرا و طالما النظام ديمقراطي فالاغلبية تحكم و لذلك لا بد من حماية الاقلية و الأراء التي لا تحظى بقبول عام قبل حماية الاراء المهيمنة. ان اي حد او قيد على حرية الرأي هو بداية تحطيم السلام الاجتماعي و الديمقراطية. اما الشكل الديمقراطي فلا بد من ان يكون مبنيا على تداول السلطة في فترات زمنية محددة و محدودة و تعدد الأحزاب و المرشحين للمنصب و الاقتراع الكلي و المباشر و النسبي في اطار لاطائفي و الفصل بين السلطات فصلا مطلقا و احترام القوانين و المبادئ الدستورية احتراما مطلقا.
و الشق الثاني للحرية هو التحرير و هو يتمثل بمعركتنا المستمرة ضد الاغتصاب الصهيوني للأرض العربية في فلسطين من النهر الى البحر و في الجولان المحتل و مزارع شبعا و كفرشوبا و الاحتلال الأميركي للعراق و كذلك تحرير بقية المناطق المغتصبة و المقتطعة مثل الجزر الخليجية الثلات و لواء اسكندرون و منطقة الأحواز و جزر الكناري و سبتة و مليلة و جزيرة ليلى و الجزر الجعفرية. لقد أثبتت تجربة المقاومة التي انتصرت و صمدت و أفشلت أهداف العدوان في تموز 2006 و التي انتصرت و صمدت و أفشلت أهداف العدوان في كانون الثاني 2009 أن طريق المقاومة الشعبية المسلحة هو الطريق الوحيد الكفيل بتحقيق انجازات حقيقية للشعب العربي في مواجهة المشروع الصهيوني و بأن الطرق الأخرى مثل الحرب النظامية الرسمية و المفاوضات و المعاهدات كلها فاشلة لأنها مرتبطة بارادة النظام الرسمي العربي و بمصالح الدول القطرية المناقضة لمصلحة الأمة ككل. و حتى عندما يحاول نظام ما أن يتماهى مع الطرح المقاوم فأنه لا يفعل ذلك الا للامساك بأوراق معينة يثمرها لمصلحة بقائه و استمراره و يساوم عليها لاحقا مع أعداء الأمة. هذا لا يعني أن حركات المقاومة لا يجب أن تتعامل مع أي نظام عربي أو غير عربي ينفتح عليها, بل على العكس لا بد من الاستفادة القصوى ممن يحاول أن يستفيد من المقاومة من الأنظمة و لكن لا بد للمقاومة العربية و للشعب العربي أن يدركا طبيعة هذه العلاقة و مداها و محاذيرها.
على المقاومة اذا أن تستنسخ ذاتها على امتداد الأرض العربية و أن توحد استراتيجيتها و تنطلق من مرحلة الصمود الذي انتصرت به فعليا في لبنان و غزة و العراق الى مرحلة المبادرة و الهجوم و حرب التحرير الشعبية. و على الشارع العربي أن يدرك أن العدو مزدوج الرأس فهو الصهيونية و الأنظمة الحاكمة على حد سواء و عليه أن يصعد ضد أنظمته في كل الأقطار العربية وبالطريقة التي يراها مناسبة لظروفه المحلية و في نفس الوقت على الجمهور العربي أن يبدأ الالتحاق بالمقاومة المسلحة من كل حدب و صوب. ان عملية التجييش القومي هذه لها هدف واحد و هو ازالة الكيان الصهيوني من الوجود ازالة كاملة و القضاء على كل وجود أجنبي عسكري فوق تراب الوطن العربي. 

الاشتراكية طريق الحرية الكاملة

هذا فيما يتعلق بالحرية بشكل موجز, اما الاشتراكية فهي المضمون الاقتصادي و الاجتماعي للحرية. الاشتراكية العربية التي طرحها عبدالناصر ليست فكرا طوباويا بل هي نابعة من واقعها العربي و بذلك أشد علمية من الاشتراكية الوهمية الدوغمائية التي سقطت الى غير رجعة. الاشتراكية العربية تعني ان الشعب العربي يسيطر على موارده و ثرواته و يجيرها لبناء مستقبله و نهضته. و الاشتراكية العربية تعني أن لا تستحوذ فئة صغيرة على المقومات الاقتصادية لبناء الامة و ان تبعثر مليارات الدولارات بينما المواطن العربي يجوع و يذل و يهاجر قسرا بحثا عن لقمة العيش. الاشتراكية العربية تعني قطع دابر الفساد بأن يسيطر الشعب العربي عبر هيئاته المنتخبة ديمقراطيا على قناته و مياهه و نفطه و غازه و فوسفاته و منغنيزه. و ان يتم توزيع الربح الناتج عن تجارته بها على الشعب العربي في اطار مشاريع دراسية و صحية و تنموية و ثقافية و رياضية و طبعا عن طريق فرص عمل و استثمارات صناعية و زراعية و نظام ضمان اجتماعي فعال يحفظ للمواطن كرامته دوما. الاشتراكية العربية تعني ان يحصل الفلاح على ارض يزرعها و ان لا تتشكل ملكيات احتكارية للارض تستعبد الناس و تبني اقطاعية جديدة. الاشتراكية العربية تعني ان يحصل العامل العربي على عقد عمل محمي من قبل الدولة و يضمن حقوقه و واجباته و ان يكون هنالك حد ادنى للأجور و حد أقصى لساعات العمل و حق في وقت عطلة و فراغ يخصص للراحة و لنشاطات اخرى.
الاشتراكية العربية لا تعني كف يد المبادرة الفردية و بناء بيروقراطية اقتصادية كريهة تجمد الحركة الاقتصادية و تقتل السوق. كلا الاشتراكية العربية ليست ضد الملكية الفردية ولا ضد ان يكون هنالك أغنياء, انها ضد ان يكون هنالك فقراء و ضد التمركز المفرط لرأس المال الذي يتحول حكما الى هيمنة سياسية و احتكار اقتصادي و هي بالتالي تعتبر ان توزيع الثروة و التكافل الاجتماعي شرط واجب لبناء مجتمع صحي.

فليقاول المواطن العربي و يتاجر كما شاء و ليربح الاموال كما يريد و يستثمرها فيما يريد طالما ان الاطار المشار اليه اعلاه مضمون و محقق عبر السيطرة المباشرة للشعب العربي على موارده و على المرافق ذات الطابع الاستراتيجي و طالما ان الاحتكار ممنوع و محارب و تمركز راس المال محدود. و نحن لا نريد ان نسهب هنا أكثر من هذا و لكن الطرح الاشتراكي هوالذي يربط بين القومية العربية و بين بعدها الاجتماعي و يجعل من الحركة القومية صاحبة مشروع متكامل لبناء مستقبل افضل. الاشتراكية هي التي تجعل من القومية العربية مشروع الجماهير و هي التي تجعل من المناضلين القوميين طليعة اشتراكية و ليس نخبة تميل للفاشية.
و كما على المستوى العربي كذلك على المستوى العالمي لا بد من تغيير اشتراكي و هو ما ظهر جليا بعد تبيان مخاطر النظام الرأسمالي على الكوكب بأسره خاصة في وسط أزمة النسق الرأسمالي الحالية. و لكن التغيير ليس حتميا, ان ما هو حتمي هو التغيّر و التغيّر فعل غير ارادي أما التغيير ففعل ارادي. أن التغيير محكوم بارادة الانسان و بخطته و بتوازن القوى و لذلك فهو ممكن و لكنه غير أكيد. النظام الرأسمالي قد يستمر للأبد و قد يتغير و يتطور و يتحول و لكن ركيزته الأساسية ستبقى دوما تمركز رأس المال و انتاج الفقر و الحروب. أن الطريقة الوحيدة لتغييره هي في تعميم الطبقة الوسطى كطبقة لكل سكان الكوكب و هو ما يتطلب سياسات اصلاحية كتلك التي يتخذها تشافيز من وحي الناصرية في فنزويلا و لكن على مستوى معولم. أن هكذا سياسات لا يمكن الا أن تكون نتاجا لصدام عنيف مع النسق يفرض توازنا جديدا للقوى يؤدي الى وقف نهب العالم الثالث و موارده و الى القضاء على الفساد السياسي و الاداري و كسر شوكة المافيات التي تمتص دماء الشعوب و تقدمها رخيصة لدراكولا الرأسمالية العالمية مقابل بضعة قطع من الفضة و بقايا مائدته . ان هكذا اجراءات ستولد تبدلا تدريجيا في شكل التوزع الطبقي في الكوكب و توسع الطبقة الوسطى لتشمل مزيدا من الناس مع مرور كل سنة. هكذا تطور سيقضي على الجهل و المرض تدريجيا و يطلق ابداعات الانسان الى آفاق جديدة خالقا عولمة بديلة و مسالمة و تضامنية. أن عالما كهذا سيتحول اقتصايا بشكل تلقائي الى مجتمع ذو اقتصاد معرفي معولم و لكنه مبني على توزيع عادل للثروة و للمعرفة و للسلطة. هي ليست يوتوبيا، انه عالم آخر ممكن و لذلك فان القوى المتضررة من قيامه تحارب كل من يسعى اليه و لو محليا و تحاول تثبيت الوضع القائم بما فيه مشكلة الفقر و الجهل و حتى المرض. هذا المستقبل الممكن و الأفضل هو ما نسميه الاشتراكية و ما نناضل من أجله مع كل القوى التقدمية و اليسارية في العالم.

الوحدة القومية 

و تبقى الوحدة التي نعني بها الوحدة السياسية لان الوحدة الموضوعية للأمة العربية امر اخر. هذه الوحدة السياسية لا تتم الا عبر انشاء دولة عربية واحدة تجعل من العروبة مواطنة الى جانب كونها انتماء و هوية. الطريق الى هذه الدولة العربية الواحدة قد يسهله برنامج تكامل تقوم به الدول العربية الحالية خاصة اذا ما التزمت بقيم الحرية. ان اسقاط الديكتاتوريات العربية شرط اساسي من اجل بناء الوحدة العربية. فالديكتاتوريات عاجزة عن التنازل عن سيادتها للشعب او لأي اطار اخر حتى لو بنته بنفسها. و اضافة الى ذلك فان الدولة الاقليمية العربية ستبقى عائقا في وجه الوحدة العربية و التضامن العربي و ان كان ضروريا لا يمكن ان يكون بديلا عن الوحدة و لا يمكن ان يكون طريقا الى الوحدة. الطريق الى الوحدة هو طريق تحرير المجتمع العربي من قيود الاستبداد السياسي و الاستغلال الاقتصادي و الاحتلال الاجنبي و من الدولة القطرية ذاتها. أما شكل هذه الوحدة و هيكلها فتحدده الجماهير العربية التي انتزعت حريتها من المستبد و المستعمر و المحتل و انطلقت الى التنمية المستدامة الاشتراكية منعتقة من القيود الاستغلالية و بالتالي أصبحت قادرة على تحقيق وحدتها لأنها تجانست في حريتها و تحررها و بالتالي لن تقف الحدود في وجه نهضتها القومية.


رفض الانهزامية

ان اعادة طرح المشروع المثلث يعني الايمان بمسيرة نضالية ستكون صعبة و عاتية من أجل تحقيق مضامينه و تعني مواجهة الانهزامية و التخاذل بمزيد من القناعة بصحة المشروع القومي الديموقراطي الاشتراكي و بضرورته. ان التنظير الليبرالي الذي يريد ايهامنا بأن الليبرالية هي الحل لمشكلة التنمية و الفقر و الفساد و بأن الديموقراطية مجرد ماكياج سطحي لا مضمون اجتماعي اقتصادي له و بأن الاستعمار وهم غير موجود و الاحتلال واقع يجب الرضوخ له و الاستسلام له من اجل التخلص منه, لهو طرح واهن و لا بد من اظهار ضعفه و تناقضه.


الحزب أداة التغيير

ان بناء حزب ديموقراطي اشتراكي عربي يتشكل على المستوى القومي و يعمل في اطار استراتيجية قومية شاملة و يكون له وجوده في الدول العربية كلها و في الشتات أمر لا مفر منه من أجل تحقيق هذه الأهداف. هذا الحزب لا بد من ان يكون ديموقراطيا في ذاته وليس فقط في عقيدته. و لا بد من ان يفرز قياداته ديمقراطيا و يدير شؤونه عبر مؤسسات حزبية تحكمها قوانين واضحة يتم الالتزام بها دونما مساومة. هذا الحزب لا بد من ان يكون تنظيما صلبا حديديا و ان يتحلى بالروح الطليعية التي تدفعه الى التجذر في اعماق الشعب العربي في الحواري و الأزقة و القرى النائية و كذلك في الجامعات و المعامل و المزارع و الصحف و الفضائيات. و تدفعه ايضا الى الوقوف في الصفوف الامامية للصدام مع أعداءالأمة الداخليين و الخارجيين. لا بد من ان ياخذ مناضلو الحزب الصف الامامي في المظاهرة و في المناظرة و في العصيان المدني و في الندوة العلمية و في المعركة المسلحة. الظروف تملي اسلوب المواجهة و لكن دور الحزب دوما هو الوقوف في الصف الاول و اخذ المخاطرة الاكبر و تقديم التضحية الاعظم. ان التنظير للجماهير سهل جدا و لكن التحلي بالدور الطليعي يكون فقط عبرالانقضاض على العدو امام الجماهير و ليس الاختباء خلفها و عبر تلقي الصدمات الاولى ذودا عنها و توجيه الضربات الاولى باسمها. الحزب الطليعي الذي يطرح مشروعا قوميا اشتراكيا ديمقراطيا شاملا و الذي يتصرف بهذه الاخلاقية الثورية العالية و الذي يريد ان يكون اداة بيد الشعب لا ان يجعل الشعب اداة له لا بد له من ان يبن اطر خدماتية ليعمق التواصل بينه و بين الجماهير و لينشط التفاعل اليومي معها. لا بد من ان يبن المدارس و النوادي و الحركات الكشفية و المستوصفات و المسارح. هذا الحزب لا بد من ان توضع لبناته الاولى الان, لاننا في خضم المعركة و التاريخ لا ينتظر المتخاذلين.