لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الاثنين, 22 يناير 2018

منهج جدل الانسان: فلسفة الحرية

إرسال إلى صديق طباعة PDF

دياب أبو جهجه----

لقد كنت دوما من أشد المدافعين عن الفكر المنهجي العلمي في وجه الفكر التلفيقي, و ما زلت, فللعلم منهجية و للواقع مقاربة و للعمل أسس.  الا أن منهجية الفكر السياسي شيء و التحجر الفكري شيء آخر. منهجية الفكر تعني أن يكون عندنا خلفية معرفية واضحة عندما نقارب مسألة ما على المستوى السياسي الاجتماعي فلا نقفز من الشيء الى نقيضه و لا نلفق وفقا للظروف و لا نسقط في فخ الانتهازية خدمة للنافذين و لا الشعبوية استميالا للجماهير.  فاذا كنا مع المقاومة مثلا نكون معها حتى و لو عاداها الحاكم و لو كرهتها الجماهير و نفرت منها النخب. نكون معها لأننا معها مبدئيا و منهجيا و معرفيا.

ان أي حركة سياسية لا منهجية فكرية لها و لا مرجعية معرفية لها ستقع عاجلا أم آجلا في فخ من الأفخاخ الموصوفة أعلاه فتهادن أو تنافق أو تجاري و تكون بالتالي قد تحولت من حركة سياسية ذات طرح و برنامج الى بوق للحكم أو صدى للشارع.

و أنا بقدر حبي للمناهج أكره النظريات. فالمناهج مقاربات للواقع مبنية على خلفية معرفية أما النظريات فهي تطبيقات للمناهج قد تصيب و قد تخطئ. و هي تخطئ أكثر مما تصيب. و السبب هو أن النظريات غالبا ما تتجاوز المنهجية الى عملية انتاج واقع نظري بديل يتحول الى ثقب أسود يأكل الزمان و المكان. فيطبق المنهج على قراءة نظرية للواقع لا علاقة لها بالوعي المطابق, فينتج عن ذلك نظريات تدعي المنهجية العلمية و هي شاذة عن منهجها بقدر شذوذها عن واقعها.

و لنأخذ مثلا منهج جدل الانسان الذي أعتبره أهم طرح منهجي فلسفي سياسي اجتماعي في القرن العشرين.  جدل الانسان لواضع اسسه الدكتور عصمت سيف الدولة منهج جدلي أي أنه ينتمي الى المدرسة الهيجلية-الماركسية في الفلسفة. و هو و ان كان في مضمونه شكل تجاوزا معرفيا هاما للهيجلية و للماركسية على حد سواء الا أنه لا ينكر أصله الهيجلي-الماركسي و يعتز به.تماما كما لم ينكر ماركس أنه تلميذ هيجل رغم أنه قلب جدله المثالي رأسا على عقب.

فمن مقولات جدلية ثلاث تعتبر قوانينا كلية عند هيجل و عند ماركس و كذلك عند سيف الدولة ( و هي باختصار – في الكون كل شيء متحرك- و في اطار الحركة كل شيء يتأثر بغيره و يأثر به- و في اطار التأثر و التأثير كل شيء متبدل و متغير حتما)   هذه القوانين الكلية تنطبق على كل ما هو في الوجود, ينفرد الانسان عند سيف الدولة بالجدل قانونا "نوعيا" له. و الجدل الذي اصبح انسانيا عند سيف الدولة (اي أن وعاءه هو الانسان) بعد ان كان مثاليا عند هيجل و ماديا عن ماركس, لا وجود له الا في اطار الوجود البشري الفردي و الاجتماعي. ففي الانسان تناقض بين قوتين احداهما مادية و الأخرى فكرية و يلتقي التناقض بين المادة و الفكر, بين الماضي و المستقبل و بين ظروف الانسان و تطلعاته في الانسان ذاته كوحدة من المادة و الفكر.  و يعبر هذا التناقض الجدلي (بين ظروف الانسان و تطلعاته) عن نفسه عند الانسان من خلال مشكلة. و المشكلة الجدلية هذه هي توق الانسان الى ردم الهوة بين ظروفه (ماضيه, واقعه المادي) وبين تطلعاته (فكره, طموحه, رؤيته). أي ردم الهوة بين ما هو كائن و ما يجب ان يكون (وفقا للانسان ).  و يحاول الانسان حل هذه المشكلة الجدلية بالعمل من أجل تحويل واقعه و تغييره باتجاه تطلعاته و هو بقدر ما ينجح بذلك يكون قد تقدم. الفكرة المنهجية عند سيف الدولة بسيطة جدا و لكنها في تشعباتها تغطى الحراك البشري في بعديه الفردي و الاجتماعي كليا.

و جدل الانسان يعلمنا أن الانسان الذي يريد التغيير دوما, سواء كما أو نوعا, لا يستطيع الا ان يكون تطلعات تصطدم مع واقعه فتولد مشاكلا جدلية يسعى الى حلها بالعمل. و لكي يحلها عليه أولا أن يعرف واقعه. لأن معرفة الواقع معرفة مطابقة بأعلى قدر ممكن هي شرط اساسي لتغييره. فمن لا يعرف واقعه لن يدرك أبعاد تطلعاته و حيثياتها و سيواجه مشاكل وهمية لا وجود لها و يغفل عن مشاكل أخرى مستفحلة.  و من لا يعرف واقعه لا بد له من التراجع الى الوراء و ما محاولاته لحل المشاكل الوهمية المبنية على القراءة المغلوطة للواقع الا كتخبط الغريق العشوائي الذي يساهم في اغراقه.  اذن البداية هي مع المعرفة لأنها الحركة الجدلية الأولى و بالتالي تكون حرية المعرفة الحرية الجدلية الأولى. و اذا عكسنا هذا على المستوى الاجتماعي نقول أن مجتمعا جاهلا تقل فيه المعرفة و يغفل عن واقعه لا فرصة له بالتقدم و هو الى تقهقر حتمي. فالمعرفة (العلم) و حريتها و توفرها هي الشرط الأول للتقدم.

بعد تشكل المعرفة كوعي مطابق للواقع على الانسان أن يخلق تصورا لما يريده و لتطلعاته لما يجب أن يكون. على الانسان أن يشكل رايا و هدفا و حلما و هكذا تكون حرية الفكر و الرأي الحركة الجدلية الثانية. و من لا راي له و لا تطلعات له يكون قد استقال من الواقع و من الوجود فهو اما متنسك في محراب ما و اما انسان بهيمي يأكل و يشرب و ينام كالحيوانات فلا يعمل و لا يسعى. و اذا عكسنا ذلك على المستوى الاجتماعي نقول أن مجتمعا لا تتوفر فيه حرية الراي و الفكر من أجل طرح و تبادل حلول للمشكلات التي تواجهه لن يتقدم حتى و لو توفر فيه العلم و الوعي وسيتعطل جدله الاجتماعي و يكون التقدم الضئيل الموجود فيه فرديا بمعظمه.

بعد تعمق المعرفة و تشكل الرأي بناء على الفكر, على الانسان محاولة تطبيق حله الذي أنتجه فكره للمشكلة الجدلية من خلال العمل. و هنا تكون لحظة العمل الحركة الجدلية الثالثة التي يحاول الانسان من خلالها تحويل ما هو كائن الى ما يجب ان يكون و تطويع واقعه ليناسب تطلعاته. فيكون الانسان بالعمل مغيرا و فاعلا و جدليا. و العمل يوصل العملية الجدلية الى نتيجتها المركبة بأن تستخلص من الشيء و نقيضه مركبا هو واقع جديد مختلف عن ما كان و لكنه مختلف حتما عن التطلعات النظرية لما يجب أن يكون. فيتفاعل الواقع الجديد مع الفكر البشري لينتج تطلعات جديدة و حلقة جدلية جديدة.  و هكذا فان أي انسان يدرك واقعه و كون فكرا و تصورا لتغييره و لكنه عجز عن العمل من أجل تحقيق هذا التصور على ارض الواقع لا بد له من أن يفشل و أن يتراجع.  و اذا عكسنا هذا على المستوى الاجتماعي نقول بأن شعبا متعلما و يتمتع بحرية الرأي و الفكر و لكنه لا يتمتع بحرية العمل السياسي و الاجتماعي و غيره أو تنقصه الارادة و العزيمة للعمل, سيبقى شعبا جامدا أو يتراجع حتما.

هذا هو جدل الانسان بتبسيط شديد و من يريد أن يعرف المزيد فليقرأ كتاب أسس الاشتراكية العربية لعصمت سيف الدولة. و لكن ما يعنينا هنا هو أن هذا المنهج البسيط جدا و الذي قد يبدو بديهيا للبعض اذا ما تم اتخاذه منطلقا معرفيا له تشعبات هائلة فهو: يجعل من الانسان محور التاريخ, محررا اياه من العبودية, لمركبات جدلية أخرى تقود التاريخ, كالمثل كما ادعى هيجل, أو المادة كما أكد ماركس, و بالتالي ناسفا أسس الافكار السلطوية, من بيروقراطية هيجلية, الى دكتاتورية طبقية ماركسية, الى الالهة عند النظريات الدينية, الى اليد الخفية للسوق عند الليبرالية الاقتصادية, ليصل الى قيادة الانسان لتاريخه, و تأكيد وجهة هذا التاريخ التي هي الانعتاق الكلي للانسان في حرية مشبعة شاملة.

و جدل الانسان بتأكيده على نزوع الانسان للانعتاق من ظروفه, محققا ارادته من خلال عمله, و مغيرا واقعه دوما في حركة تاريخية جدلية مستمرة, يثبت مفهوم التقدم في التاريخ و يربطه بحرية الفرد و حرية المجتمع. فالحرية في جدل الانسان تبدأ مع الفرد في حركات جدلية ثلات معرفة و رأيا و عملا. و تستمر مع المجتمع على خط مواز. ففرديا لا يقبل جدل الانسان الجهل و لا الأمية و لا يقبل مجتمعيا كهنوتية العلم و لا حصريته , و لا يقبل كذلك الاساطير و التلفيق و يشدد على ضرورة خلق وعي مطابق للواقع.

  و لا يقبل جدل الانسان قمع الرأي و الفكر و يرفض التابو و يرفض كم الأفواه و مجتمعيا يرفض احتكار وسائل التعبير عن الرأي مثل الاعلام و غيره فكل رأي مباح و عليه أن يرمى على منبر المجتمع و يحصل على قنوات الوصول الى الناس.  كما يرفض جدل الانسان وصاية انسان على غيره و تبعية الانسان فكريا لغيره تحت أي حجة كانت لأنها كلها آفات تعطل العملية الجدلية و تدفع المجتمع الى الخلف.

و لا يقبل جدل الانسان شل الانسان و منعه من العمل لتحقيق أهدافه لا فرديا و لا جماعيا. و لا حدود فرديا الا حدود القانون أي حدود حريات الآخرين و لا حدود مجتمعيا و سياسيا الا حدود الضرورة في تنظيم الية الحكم. لأن الآراء تتعدد و الحلول المجتمعية لمشاكل واحدة تختلف و لا يمكن تطبيق كل الحلول دفعة واحدة. و لذلك يتماهى جدل الانسان مع الفكر الليبرالي في حل مشكلة الديموقراطية من خلال عقد اجتماعي ينشأ دولة قومية أساسها المواطنة تتشكل فيها أحزاب متعددة وفقا للآراء المتعددة و تتنافس في التعبير عن رأيها بكل حرية و طرح وجهات نظرها و حلولها للمشاكل الاجتماعية المشتركة على الناس الذين ينحازون لهذا الحزب أو ذاك  و يفوضون حزبا منها أن يحكم الى حين من خلال انتخابات حرة. و عندما يحكم هذا الحزب يحتكر جهاز الدولة المشترك من أجل تطبيق حلوله و لكنه لا يستطيع أن يحتكر لا المعرفة فتبقى الشفافية اساسا و لا حرية الرأي فتبقى كل الآرء و منها الآراء المعارضة للفريق الحاكم مطروحة و تبقى المنابر مشرعة لها. و لكن جدل الانسان في فهمه للديمقراطية يتخطى الليبرالية لأنه يطرح أن المواطنين ممثلين بدولتهم الديموقراطية عليهم أن يتحكموا بكل الأدوات و الموارد التي تتوفر من أجل حل المشاكل المشتركة و أن احتكار جزء منها سواء كأدوات الانتاج الاقتصادي أو الثروات سيؤدي حتما الى ضرب قدرة المجتمع على حل مشاكله و التقدم. و من هنا تكون الاشتراكية ليس كنظام قمع طبقي و انما كنظام ديموقراطي للاقتصاد هي المكمل الطبيعي للحريات السياسية.

فتمركز أي قوة كانت, سواء كانت رأس المال, أو العلم, أو السلطة الدينية, أو الاعلام, الخ بيد نفر من الناس دون غيرهم يضرب التوازن الاجتماعي و يؤدي الى انتهاء الديموقراطية عمليا. و من هنا فان جدل الانسان يدعو حكما الى مجتمع "توزيعي" للسلطة و للقوة, تكون فيه كل مصادر النفوذ و السلطة و الـتأثير موزعة و لا مركزية أفقيا و عاموديا.

لم يكتب عصمت سيف الدولة كل هذا و لكنه أعطانا المنهج الذي يوصلنا الى كل هذا, و يوصلنا أيضا الى رفض بعض ما كتب في انتاجه النظري. فالرجل كان منسجما مع نفسه و كان يعرف جيدا الفرق بيت المنهج و المنطلقات المعرفية, و بين النظرية من حيث كونها تطبيق للمنهج بناء على اجتهاده هو. و سيف الدولة طبق المنهج في زمانه و مكانه هو و بناء على المعطيات التي توفرت لديه هو. فجاء معظم ما كتب دقيقا و رؤيويا ثاقبا, اما بعض ما كتب فجاء على خلاف ذلك, فقد كان بعض ما كتب في آخر انتاجه "هيجليا" أكثر منه "عصمتيا" و لنا في ذلك حديث آخر.

و لكن الرجل ترك لنا  منهجا انسانيا في العمق لأنه يربط كل شيء بالكائن البشري و تطلعاته و نزوعه نحو الحرية فلا يقزمه أمام "روح شعب" في "عالم المثل" كما فعلت الجدلية المثالية و لا يسحله وراء طاحونة أدوات الانتاج كما تفعل المادية التاريخية و هذا المنهج قادر على اثراء أي فكر حر طامح نحو مجتمع تقدمي و ديموقراطي و عادل.  

 

 

 

 

Add comment


Security code
Refresh