لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الاثنين, 22 يناير 2018

التعدد طريق الوحدة

إرسال إلى صديق طباعة PDF


 

دياب أبو جهجه----

 

فلتزهر ألف زهرة, قالها ماو تسي تونغ و نرددها كلما سمعنا بمبادرة تلم شمل بعض من ابناء هذه الأمة في اطار قومي تقدمي او وحدوي أو ناصري.  نقولها و بقوة لأننا نعرف أن زهرة واحدة لا تصنع بستانا و لأننا نعرف كذلك أن بستانا واحدا لا يصنع الربيع.

و ماذا اذا عن الحركة العربية الواحدة؟ و ماذا اذا عن التنظيم القومي الواحد؟ أعتقد أن الوقت قد حان لمراجعة فهمنا لهذه المسميات. فالحركة العربية الواحدة لا يمكنها الا أن تكون التقاء حركات متعددة.  الحركة العربية الواحدة هي مجموع حراكات هذه الأمة نحو تشكلها من جديد. و هذه الحركة نحو التشكل تقودها كل قواها الحية. و قواها هذه تكون منسوبة اليها بالهاء فقط عندما تنسب نفسها للأمة و تعلن نفسها عربية مدركة لعروبتها و ساعية لبناء صرحها الجديد في هذا الزمن الجديد.  و هي حية لأنها تمثل نبض الحياة في هذه الأمة, لأن الأمم كائنات حية, تعيش على نبض هو حراك أبنائها نحو المستقبل القومي المشترك. اذا توقف هذا النبض دخلت الأمة في غيبوبة قد يتبعها موت لا عودة منه.  و التاريخ علمنا أن أمما عديدة ماتت بأن تفككت أمما عدة (كالأمة اللاتينية مثلا) أو بأن ابتلعتها أمم أخرى ( كالأمة البروتونية مثلا)  و أمم تم اقتلاعها من أرضها و تشتيتها و ابادتها أو تذويبها (مثل المايا و الانكا في وسط أميركا).  اذا لا حتمية في التاريخ الا حتمية التبدل و التغير و الحراك المستمر, و الأمة العربية اليوم موجودة و حية لأن من العرب من يكتب للعروبة و منهم من يغني للعروبة و منهم من يشكل روابطا و أندية و اتحادات و احزاب كلها تحمل اسم العروبة و تعتز به. و لذلك لا يمكننا الا أن نسعد لـتأسيس أي شيء يحمل اسم " العربي" في عنوانه و لا يمكننا أن ننظر لهذه المؤسسة الا ككونها زهرة اضافية تتشكل في بستان حركتنا كأمة علها يوما تصبح جزء من ربيع العروبة القادم.

و لهذا أيضا لا يمكننا أن نرى في الحركة العربية الواحدة استبدالا لكل هذه الزهور بواحدة من بينها و لو كانت شجرة مزهرة. الحركة العربية الواحدة في عصرنا هذا بحاجة الى التعدد لتكون حركة بكل ما لكلمة حركة من معنى. الحركة العربية الواحدة لا يمكن أن تكون حزبا بل انها تيار قومي بأحزابه و مؤسساته و روابطه و مؤتمراته و صحافته و مقاومته, انها مجتمع قومي بالمعني الايتيمولوجي للكلمة لا بالمعنى الايديولوجي.

و لكن لماذا لا يكون هنالك حزب قومي واحد  بدل عدة أحزاب قومية؟  اليست الوحدة الحزبية بين القوميين بداية الوحدة القومية للأمة؟ لا شك أن هذا الكلام سليم نظريا, أي في كراريس الفكر التنظيمي و على ألواح كليات العلوم السياسية. الا أن الواقع يعلمنا أن التعدد سمة الفكر البشري و لم ينجح فكر تاريخي قط في انتاج وحدة مستديمة بين القائلين فيه فلا دين نجح في ذلك حيث تعددت المذاهب و الشيع و الطوائف في كل الاديان ووصلت الى الاقتتال فيما بينها. و لا عقيدة سياسية نجحت في ذلك و لو كانت في عظمة الماركسية أو في انتشار الليبرالية حيث انتجت كلها آلاف الأحزاب. فلا الاسلاميون العرب سيتحدون و لا الشيوعيون العرب سيتحدون و لا القوميون العرب سيتحدون, و هذا نفسه صحيح بالنسبة للترك و للعجم و للأوروبيين و الصينيين. أن كل الوحدات الايديولوجية المتماهية كليا مع نسق معين ما هي الا كذبات كبيرة تخفي قمعا و كبتا و استبدادا.

ثم ان القومية ليست ايديولوجيا, انها مسألة تحرر, قضية شعب و مطلب تاريخي للتشكل في دولة تحقق مصلحة الناس و تضمن الحفاظ على طريقتهم بالحياة. و القومية بهذا تكون عابرة للايديولوجيات و سامية عليها, فالقومية من حيث كونها حركة تحرر أو من حيث كونها وجود موضوعي لأثنية, في كلتا الحالتين سمأسمى من الايديولوجيا و من العقائد لأنها الوعاء الذي يعبر الانسان من خلاله عن ايديولوجيته و عن عقيدته. فالقومي قد يكون اسلاميا أو مسيحيا أو شيوعيا أو راسماليا أو ملحدا أو دينيا  لأن القومية تستطيع أن تكون انتماءا و اطارا مجتمعيا يتشارك فيه حملة كل هذه الافكار و يتفاعلون فيما بينهم. بينما أي اطار

حصري ايديولوجي لن يستطيع أن يحمل الجميع في كنفه كمواطنين متساوين و سيقمع حتما حملة الفكر الآخر.

مشروع الدولة المدنية في بلادنا لا يمكن الا أن يكون مشروعا قوميا. و المعركة اليوم, معركتنا نحن القوميين العرب, هي من أجل تثبيت العروبة كوعاء لهذا المشروع القومي, و في حال فشلنا في ذلك لن يتوقف الناس في بلادنا عن البحث عن مشروع قومي قد يجدونه في قوميات بديلة بدء من الدول القائمة التي تتربص بالعروبة مقتلا و انتهاء بالمشاريع الاقليمية كالشرق أوسطية و المتوسطية و الافريقية. الا أننا نؤمن أن ذلك في حال حصل يعد خسارة كبيرة و هدرا لمخزون تاريخي حضاري ثقافي متجانس الى حد كبير تعبر عنه العروبة كما يعتبر تشتيتا لطاقات جيو-سياسية و مادية و ديموغرافية هائلة. مشروع قومي مبني على العروبة هو فرصتنا جميعا في أن ننتمي لدولة ذات حجم قاري و امكانات جبارة و تاريخ و وقع حضاري مدو. العروبة كقومية هي فرصة لا يجب أن تفوت و علينا نحن القوميين العرب أن نفهم أبناء جلدتنا في بلادنا العربية هذه الحقيقة. 

و من اجل افهامهم و بكل الطرق المتاحة و بكل المقاربات الممكنة علينا أن نعتبر تعددية حركتنا القومية و تنوعها نعمة, اضافة الى كونها سنة انسانية كما أسلفنا. هذه المهمة التاريخية في تشكيل وعي قومي و تفعيل نهضة قومية, أي مشروع بناء مجتمع جديد, هي مهمة أكبر من حزب و من تنظيم و من رابطة, انها مهمة لحركة بالمعنى التاريخي و لتيار بالمعنى التاريخي.

الحركة القومية الواحدة في ادراكها لمهمتها التاريخية هذه عليها أن تعي ذاتها و تحتضن تعددها و تتوقف مكوناتها عن طروحاتها الاقصائية التي تختزل الكل في الجزء. و لا بد من أن يعترف الجميع و يقر بأن وحدة الحركة العربية ليست في تنظيمها الذي لا يمكن أن يكون هرميا. و في ذات الوقت ان هنالك ضرورة لعمل شبكي في عصرنا هذا و لا بد من خلق مرجعيات فعالة للحركة القومية في هذه الأمة تجمع أكبر قد من مكوناتها و نعتبر هنا تجربة المؤتمر القومي العربي و المؤتمر القومي الاسلامي رائدة في هذا المجال مع تحفظنا الشديد على نخبوية هذه الاطر و انفتاحها على النظام الرسمي العربي. و ننظر بأمل الى محاولات بعض القوى العربية اليوم اعادة تشكيل حركة تحرر عربية ديموقراطية جديدة تكون معارضة و مقاومة بشكل لا يقبل اللبس.

كل هذا لا يعفي القوميين التقدميين (بالمعنى الأشمل للعبارة) من محاولة تأسيس تنظيم قومي حزبي تقليدي متواجد على كل التراب العربي, لأن هكذا تنظيم سيكون دون أدنى شك اداة فعالة تخوض معركة الديمقراطية و  الوحدة و التحرر في بلادنا كجزء من حركة عربية تاريخية واحدة.

ان الطريق الى الأمام بالغ التشعب و يحتاج الى أكثر من دليل و ليس الى مرشد واحد و عندما يتعلق الأمر بمشروع نهضة قومية و عملية بناء دولة مدنية حديثة قارية الحجم لا بد للجهد من أن يكون بحجم الاستحقاق, و ان لم يكن بحجمه كميا فعلى الاقل أخلاقيا و نوعيا. و نختم كما بدأنا, في دعوة الى غرس الزهور في بستان العروبة, فنحن بحاجة الى أن تزهر آلاف الازهار. أسسوا جمعيات و روابط رياضية و دينية و سياسية و سموها ما شئتم من اتحاد الشطرنج العربي الى اتحاد المحامين العرب الى اتحاد المغنين العرب الى رابطة القوميين العرب الى اتحاد الشيوعيين العرب و السلفيين العرب و الصوفيين العرب و لا تتركوا قطاعا و لا مهنة و لا هواية و لا نزعة دون أن تشكلو لها اطارا عربيا يكون لبنة في اطار الحركة العربية الواحدة ككتلة تاريخية متحركة كالسيل نحو مستقبل محقق, لأن التعدد هو حقا طريق الوحدة.

 

Add comment


Security code
Refresh