لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الاثنين, 22 يناير 2018

تحرر المرأة : ألم يحن الوقت بعد؟

إرسال إلى صديق طباعة PDF
 
 
دياب أبوجهجه-----

'نحن بنات طارق نمشي على النمارق' قالت هند بنت عتبة في مديح نساء عشيرتها يوم أحد وأضافت 'إن تقبلوا نعـانق أو تدبروا نفـارق. فـراق غير وامـق'. وبغض النظر عن الموقف السياسي لهند في مواجهة الثورة الاسلامية حينها، الا أن نساء أمتنا نادرا ما مشين على النمارق منذ ذلك الوقت ونادرا ما كان عندهن خيار فيمن يعانقن ومن يفارقن. 
أنا هنا لست بصدد اعادة انتاج كليشيهات استشراقية متهافتة حول المرأة العربية المقموعة والتي تنتظر الفارس الغربي على حصانه الابيض كي ينقذها من براثن الرجل العربي الاسمر ذو الأنف المعقوف. فالكثيرات من نساء العروبة قادرات على تجاوز العوائق الاجتماعية والتقليدية وتحقيق ذاتهن. كما أن الكثير من رجال العروبة متحررون من براثن التعصب الذكوري ويتعاطون مع المرأة بصفتها شريكاً راشداً ومتساو. كما أن الطرح النسوي التقليدي الذي عرف ذروته في الغرب في الستينات والسبعينات لم يحرر المرأة الغربية بقدر ما وضعها أمام استحقاقات متعددة وأجبرها على اتخاذ خيارات قد تفضل غيرها اذا ما هي تركت على سجيتها. النسوية التقليدية كانت أشد الحركات تعصبا ذكوريا لأنها وبكل بساطة وضعت أمام المرأة طريقا واحدا للكمال والتحرر وهو أن تكون رجلا.
تهاوت النسوية التقليدية ليحل مكانها منذ بداية التسعينات عصر التزاوج بين أنوثة المرأة وشخصيتها وتحررها. وبالامكان اعتبار الستينات والسبعينات عصر المراهقة النسوية والتسعينات والألفية الجديدة عصر النضوج. المرأة المتحررة اليوم متمسكة بأنوثتها، تحتضن جسدها وخصوصياته وأهمها الحمل والارضاع وتصر على أن تعطي الثدي لابنائها وأن تربيهم تربية طبيعية. وفي نفس الوقت تخرج الى ميدان العمل حيث تحاول التوفيق بين دورها كأم ودورها كفرد منتج. ولا ترى في التحرر الجنسي رديفا مطلقا للتحرر ولكنها وفي نفس الوقت ترفض الكبت والقمع والوصم وكل هذا من دون ابتذال. 
و بالرغم من تقدمية وأهمية هذا التطور في الفكر النسوي، تجلد المرأة في بلادنا اذا ما ارتدت بنطالا في بعض الأقطار وفي أقطار أخرى تجلد معنويا اذا لم تتعرى. يفرض على المرأة في بعض بلادنا ارتداء خيمة متنقلة وفي بلاد أخرى يفرض عليها أن تنزع الحجاب عن راسها اذا ما أرادت الدراسة أو العمل. وفي كلتا الحالتين المرأة مقموعة وخيارها مسلوب والرجل يحدد لها شكلها وتصرفها.
هذا ناهيك عن مشكلة التحرش في الشوارع التي أصبحت منتشرة بشكل وبائي في دلالة على هوس المجتمع الجنسي وعدم نضجه كنتيجة للكبت ولثقافة التــــابو الجنســـية التي تدفع بالجنس الى غياهب الظلمات الاجتـــماعية بعيدا عن النور. وتساهم عقلية محافظة متطرفة في تكريس فكــــرة أن المــــرأة غير المحجبة مشروع مومس، وبالتالي فان أي تصرف ناتج عن الرجل تجاهها انما هو نتيجة طبيعية لاستفزازها 'السافر' له. فالرجل المسكين هو الضحية دوما ولا حول له ولا قوة أمام خصلة الشعر الظاهرة والتي توحي اليه بمحاولة الوصول الى تلك المستترة.
ولا تشذ هذه التصرفات المراهقة عن النمط الذكوري العام لمجتمعنا الذي يحدد كون المرأة 'منتجاً' اجتماعياً يتم تداوله بشكل مبرمج مسبقا من خلال بنية معرفية هي نتاج ترسبات قرون طويلة.
ويلعب الدين دورا محوريا في تقوية هذه النزعات من خلال الموروث التراثي الذي يتقدم على النص والتفسير بكونه المصدر الأول للتشريع الاجتماعي العرفي.
فالدين في نصوصه وان كان مليئا بالأفكار التمييزية ضد النساء في مسائل مثل الارث والشهادة وغيرها يبقى أفضل ألف مرة من التراكم المعرفي الذكوري الذي تكرس من خلال ممارسة الشرع تطبيقا.
اذا كان الشرع الاسلامي يميز ضد المرأة بنسبة 20 بالمئة اذا ما قسناه على مقاييس يومنا هذا، يميز تطبيق الشرع ذاته ضد المرأة بنسبة 90 بالمئة. بكلام اخر فان وضع المرأة في الشرع الاسلامي أيام صدر الاسلام كان أفضل بمرات من وضعها في هذا الشرع اليوم بعد قرون من تراكم الفكر الذكوري.
الا أنني لا أطرح العودة الى الدين من أجل تحرير المرأة، مع العلم أنني على يقين بان النساء المتدينات الملتزمات ومن خلال المنظومة المعرفية الدينية يستطعن الوصول الى نسبة عالية من التحرر والانعتاق.
ان ما نحتاج اليه في هذه الأمة هو طعنة قاتلة في قلب المجتمع البطريركي تقودنا الى انتاج مجتمع متزن ومتناغم بين عنصريه الاساسيين. مجتمع قادر على تحريك طاقته الانتاجية كاملة وليس نصفها فقط. ويكون ذلك من خلال تغيير عميق في العقلية والتربية يركز على انسانية المرأة والرجل وعلى ضرورة أن يعطى كل فرد حقه في أن يعبر عن ذاته ويطور نفسه. علينا أن نخلق مجتمعا تستطيع المرأة فيه أن تقرر اذا ما أرادت أن تتحجب أم لا أو أن تتزوج أم لا أو أن تنجب أم لا. وأن تفتح أمامها الأبواب وتحترم مهما كانت خياراتها. فلا ترفض من العمل اذا ما ارتدت حجابا ولا تعامل بازدراء وقلة احترام اذا ما لم ترتديه مثلا.
على هذا التغيير في العقلية أن يتوافق مع تغيير في الآليات القانونية والاجتماعية من خلال إلغاء كل القوانين التمييزية ضد النساء ووضع قانون مدني يساوي بين المواطنين ارثا وشهادة وقيمة. ويجب أن يحق للمرأة اعطاء الجنسية ليس فقط لأبنائها وهو الأمر البديهي وانما ايضا لزوجها. وهذا كله لا يتم الا اذا اندمج مشروع تحرير المرأة ومساواتها مع مشروع تحرير المجتمع برمته من البنى المهترئة التي تمعن فيه تخلفا وانحطاطا وبأخذ سلطة القرار الاجتماعي من بين يدي رجال الدين المسلمين والمسيحيين على حد سواء ووضعها في مكانها الطبيعي أي في دستور وقانون الدولة المدنية التي تساوي بين كل مواطنيها.
من شروط نهضة هذه الأمة نهضة نسائها، على المرأة أن تناضل من أجل حقوقها وكرامتها وعلى الرجل أن يدعمها في هذه المعركة لأنها أيضا معركته كما أن معركة الأمة من أجل التحرر والتحرير والوحدة هي معركة كل امرأة عربية.

Add comment


Security code
Refresh