لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الاثنين, 22 يناير 2018

تحت الكهنوت الاسلامي يتلطى كهنوت قومي

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 دياب أبو جهجه----

منذ أن أطلقنا مشروع رابطة القوميين العرب تحت التأسيس و نحن نتلقى استفهامات من اشخاص عديدين حول منطلقاتنا و أهدافنا و خلفياتنا الى آخر اللائحة. و هذا طبعا حق كل انسان مهتم بالمشروع الا أن اجابتنا كانت دوما أن كل هذه الأمور موجودة و بشفافية على الموقع الالكتروني. فعليه مسودتنا الفكرية و كلمة مسودة تعني أن المؤتمر التأسيسي سيعدل ما يعدل و يضيف ما يضيف و يحذف ما يحذف, و على الموقع كذلك النظام الأساسي و حتى أن خطتنا الاجرائية المبسطة علنية و شفافة.

و طرح البعض مؤخرا قضية غريبة بعض الشيء في تسميتها و هي : التأصيل الاسلامي للفكر القومي التقدمي. و خلفية هذا الطرح هي كتاب عن العروبة و الاسلام للدكتور عصمت سيف الدولة و هو كتاب قيم يضع فيه سيف الدولة بعض النقاط على الحروف حول علاقة الاسلام و العروبة التكاملية من الناحية الهوياتية و الحضارية تاريخيا. و يستطرد الى اعتبار أن الشعب العربي لا بد من أن يختار قيما اسلامية و نظاما اسلاميا بحكم تركيبته الحضارية. و هذا طرح قد يكون صحيحا و قد لا يكون الا أن النقاش ليس هنا, النقاش هو هل للشعب حرية الاختيار بغض النظر عن النتيجة؟ و هل يدان خيار غير اسلامي؟ و هل يعني اختيار الشعب خيارا اسلاميا مرة من الزمن أن حقه في تغيير هذا الخيار قد سقط؟ و عندما كان الجواب بأن هذا الحكم الاسلامي الذي يعنونه هو حكم ديموقراطي شعبي اشتراكي يضمن الحريات كان ردنا بان هذا تلاعب على الكلمات فالحكم الاسلامي و مشروعه يمثله اليوم تيار اسلامي عريض فيه الاخواني و السلفي و الشيعي و لا وجود فيه للاشتراكي و الديموقراطي أما القول بأن نظام ديمقراطية شعبية اشتراكية هو حكم اسلامي فهو ربما يعني أنه لا يتناقض مع الاسلام كقيم و لكنه يتناقض كليا مع الموروث و مع المذاهب و مع التقليد و النقل, أم هل نحن بصدد الدخول في معمعة خلق بروتستانتية اسلامية و بالتالي صراع مع الفهم الاسلامي الارثودوكسي؟ أليس الاسهل و الأفضل أن نقول الدين لله و الوطن للجميع؟ 

أن طرح أن الاسلام عامل محرر و معتق ( من انعتاق) في بلادنا هو أمر يستند على نسخة مثالية من الاسلام موجودة اما في روايات تاريخية لا نعيشها اليوم أو في كراريس الحركة الاسلامية. أما على الأرض فالاسلام اليوم تحكمه كنائس لاهوتية تتحكم تارة بالدولة و تتحكم فيها الدولة تارة أخرى بهدف قمع الشعب و تمرير العمالة و الخيانة و ما يجري في مصر من تلاعب بالأزهر و في السعودية من خلال الكنيسة الوهابية و في العراق من خلال الكنائس الشيعية كلها أدلة دامغة على حاجتنا الى العلمنة لنحافظ على حريتنا و عزتنا. و هي حاجة أكبر من حاجة أوروبا لها عندما طبقتها. أما من يقول غير ذلك فهو يتحدث عن مجتمع مثالي وهمي لا نعيش نحن فيه. 

فلم يصلنا جواب شافي على هذه الاسئلة و انما اتهام بالعلمانية و مزيد من الاقتباسات من الكتاب ذاته لسيف الدولة الذي يعتبر فيه العلمانية مفهوما مرتبطا بالديانة المسيحية و سيرورتها التاريخية في أوروبا و بالتالي أن لا علاقة لها ببلادنا و أن طرحها في بلادنا حيث يسود الاسلام و هو خال من الكهنوت و الكنيسية هو من أخبث الاستراتيجيات المستعملة لمناهضة الاسلام بالعروبة.


فأجبنا من اتهمنا بالعلمانية و أنه هو براء منها بأنطرحه علماني أساسا حتى لو لم يعترف بذلك. و حتى لو أصله اسلاميا فطرحه علماني. و قلنا له "... العلمانية لا تتناقض حتى مع وجود أحزاب دينية حاكمة و يكفيك أن تزور ألمانيا أو هولندا لترى أن أحزابا مسيحية تحكم باسم العلمانية تماما كما يحكم في تركيا حزب اسلامي في اطار علماني, و لكن أعطني دولة دينية واحدة يحكم فيها حزب علماني؟
يعني أنت تريد أن تفهمنا أن العلمانية هي الكفر بالدين و التخلي عنه؟ هذا فهم تبسيطي للأمور. أن دولة ديموقراطية اشتراكية هي بالتعريف حكما دولة علمانية نحن نعرف هذا و الاسلاميون يعرفون هذا. و لكن في تلك الدولة العلمانية ممكن أن يحكم حزب اسلامي. و ممكن أن يحكم حزب هندوسي أو حزب شيوعي اذا اختار الشعب ذلك. اليس كذلك؟ أنت تقول لا تحدد خيارات الشعب و لكنك تريد أن تحددها معرفيا رغم ذلك. يا أخي اذا قلت أن في دولتك يستطيع حزب ملحد أن يصل الى الحكم اذا اختاره الشعب ( نظريا) يعني دولتك علمانية. في دولة اسلامية لا يستطيع حزب ملحد أن يصل للحكم ببساطة شديدة و بعيدا عن السفسطة. و اذا أردت أن تمنع الشعب (نظريا) أن يختار يوما هذا الخيار فاذا دولتك استبدادية ببساطة أيضا و ليست ديموقراطية و تكون خرجت عن منهج جدل الانسان..."

و عندها انكفأ محاوري الى مساحة فكرية أخرى ليطرح وجود الاسلام كمصدر للتشريع كثابت من ثوابت هذه الأمة فأجبناه " ...  ماذا يعني أن يكون الاسلام مصدر التشريع؟ يعني المصدر الفكري؟ في القانون مصدر التشريع هو المشرع و ليس مصدر الفكر و طرح دين أو فلسفة كمصدر للتشريع هو تلاعب بالمفردات. يعني الاسلام على أي مذهب و أي طريقة و أي منهج؟ كيف نتفق على هذا من دون أن يصل الدم للركب مثلما وصل في العراق. أو هل تريد دستورا مثل الدستور المغربي الذي يتبنى المذهب المالكي مثلا؟ أو الدستور الايراني الذي يتبنى المذهب الجعفري؟ بكل بساطة في الديموقراطيات, شعبية اشتراكية كانت أم ليبرالية, التشريع نابع من الشعب ممثلا بهيئاته التمثيلية المنتخبة. يعني الشعب هو مصدر السيادة و مصدر التشريع أما من أين تستوحي الأحزاب السياسية أفكارها و ما هي فلسفاتها و عقائدها فذلك أمر متروك لحرية الرأي و حرية المعرفة و أنت تعرف أن هذه الحريات مطلقة في منهجنا الجدلي الانساني ( على عكس حرية العمل التي تنتظم باللعبة الديمقراطية). و من هنا أقول لك بان النظام الديموقراطي هو علماني بمعنى استقلالية الدولة عن المؤسسة الدينية ( أو المؤسسات الدينية) و هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال تطبيق لائيكية متطرفة على الشكل الفرنسي و انما الحياد الايجابي للدولة مما يسمح لها بان تعطي كل مواطنيها حرية الترشيح و الاختيار حسب البرامج بغض النظر عن مصدرها الفلسفي أو العقائدي . على شرط ألا تنتزع حرية الاختيار هذه فينتخب الشعب مرة واحدة ثم يسقط حقه في الاختيار بعدها. فالشعب لا يعطي حزبا أو تيارا أو جماعة تفويضا أبديا و انما تفويضا مؤقتا الى حين. و لا اعرف لماذا من الصعب عليك أن تقبل بأن دولة مثل ألمانيا مثلا هي دولة علمانية و يحكمها حزب متدين هو الحزب المسيحي الديموقراطي. و بأن دولة مثل تركيا كذلك. و بأن دولة مثل دولة العدو الاميركي علمانية و تحكمها نخب متدينة بعض الاحيان الى حد التطرف مثل بوش و زمرته و الرئيس فيها يصلي جهارا و يتحدث عن الله الخ و لكن مؤسسات الدولة مستقلة عن أي دين و مؤسسته. منذ متى أصبحت اللائيكية الفرنسية هي العلمانية لماذا لا نرى العلمانية البريطانية حيث هنالك شرطيات مسلمات محجبات و هو ما لا نراه في بلادنا حتى ؟ و هل يمثل نظام طالبان أو آل سعود الاسلام؟ 
أما عن القول بان العلمانية لا حاجة لنا بها في بلادنا لأن الاسلام لا كهنوت فيه فأنا سأقبله فقط عندما يسقط الكهنوت الاسلامي بكل أشكاله و من ينكر وجوده عليه أن ينظر الى واقع ليس لبنان فقط و انما السعودية و مصر و العراق و كثير من الأقطار الأخرى. العلمانية اليوم في بلادنا و بالمعنى الصحيح للكلمة اصبحت حلا جدليا مطروحا...."

و من جديد كان من الصعب على محاوري الاعتراف بوجود الكهنوت الاسلامي في ايامنا و تابع سوقه لمقولات نظرية عن خلو الاسلام من الكهنوت و عن أن الشعب العربي لا بد من أن يختار الخيار الاسلامي و القيم الاسلامية. فأجبناه " ... الكهنوت الاسلامي في وطننا العربي كامن في العراق من جهة بالمراجع الشيعية و من جهة أخرى بعلماء السنة و كلمةالطرفين لا ترد و هذه كنيسة جاثمة فوق صدور الأمة و عقول ناسها. اما في السعودية فالدين و كنيسته الوهابية تجير في خدمة السلاطين تماما كما يجير سلطان مصر كنيسة الأزهر و كهنتها. و غيرهم من السلاطين يعتلى نفسه قمة الكنيسة و يسمي نفسه أميرا للمؤمنين من دون أن يرف له جفن الخ.... الاسلام في علم الاجتماع ليس رواية نرويها و لا مركبا فكريا بل واقعا معاشا الاسلام القائم هو ما هو قائم اليوم فلا تبيعني قصورا في الهواء. جدل الانسان علمنا أن نتعامل مع الواقع كما هو اليس كذلك؟ لا ان نسقط على الواقع أحلامنا فتسقط في المثالية القاتلة و لكننا لا نسقط أحلامنا كذلك فنسقط في الجمود المادي الانهزامي. ألم يكن الدين أحيانا مطية للدولة في أوروبا القديمة و ألم يمتطيها أحيانا أخرى؟ و أليس هذا بالظبط مايحصل في بلادنا حيث تمتطي الدولة الدين حينا و يمتطيها حينا آخر. اذا العلمانية أي الفصل بينهما مشكل مطروح في واقعنا اليوم. أو تظن أنك ستسحب سلطة السيستاني و شيح الأزهر و بن باز و من يخلفه هكذا بجرة قلم تقول فيها الا كهنوت في الاسلام؟ 
البروتيستانت قالو ايضا الا كهنوت في المسيحية كمبدأ و لكن الكهنوت كان مهيمنا على أرض الواقع و انفجرت الحروب الدينية مع مجازرها. فهل تريد خلق اسلام بروتستانتي يدمر الكنائس القائمة فتجر حربا أهلية دينية لا هوادة فيها؟ و أقول لك من الآن أن هذا السيناريو حامل تكاد تلد في بلادنا. و لكن ما هو ممكن هو خلق فاصل بين الدولة و الكهنة المسلمين و غير المسلمن كذلك طبعا ( حيث تتدخل الكنائس المسيحية في مصر و لبنان و فلسطين بالسياسة ايضا شأنها شأن الكنائس الاسلامية).
و رجاء رجاء لا تعظنا بالمخزون الحضاري الثقافي العربي الاسلامي و كأننا تنكرنا له هوية جامعة لنا أو تراثا أو خلفية معرفية, لأننا نعتز به و نحمله و ننقله الى أبنائنا و لا دخل لهذا مطلقا بنقاشنا حول فصل الدين و الدولة. فالشعب يختار ما يشاء و لو اختار حزبا اسلاميا ليحكمه و صاغ قوانين اسلامية طالما اللعبة الديموقراطية و حقوق الانسان محترمة فلا مشكل في ذلك. و من قال لك غير هذا. و لكن لماذا تريد و من الآن أن تقطع الشك باليقين و تقول لي من سيربح الانتخابات في دولة الوحدة و ما هي نوعية القوانين التي ستسن؟ و لو افترضنا جدلا أنك محق, ألا ترى معي أن هذه النزعه الشبه هستيرية للجزم و ترسيخ القناعة و اليقين الى آخر المفردات المماثلة لايصال رسالة أن الشعب سيختار حتما قوانين اسلامية و حكومة اسلامية و بطاطا اسلامية و بطيخا اسلاميا, الا ترى معي أن هذا فيه نزعة الى رهن سيادة الشعب الذي سيختار ما يختار في لحظته التاريخية وفقا لظروفه و تطلعاته و جدلهما؟ الأ ترى معي أن هذا يخفي قلقا من الديموقراطية أكثر مما يخفي ارتياحا لها؟..."

و طبعا لم يستطع محاوري ان يجيب على هذه الاسئلة الا بقص و لصق ما كتب الدكتور سيف الدولة ضد العلمانية و عندما قلت له أن رأيي هو أن ما كتبه الدكتور سيف الدولة حول هذا الموضوع متهافت و ساذج و اقتصاري انهالت الاهانات علي لأكتشف أن في بلادنا ليس فقط كهنوتا اسلاميا و انما أيضا كهنوت قومي. و سرعان ما انضم الى محاوري الذي تحول الى شتامي جوقة من الشتامين الاضافيين. و عصمت سيف الدولة براء من هؤلاء لأن الرجل كان فارس حرية الرأي و الكلمة و فارس كرامة الانسان و انعتاقه و العدو الأول للكهنوت السياسي.

أردت أن أشاركك قارئي العزيز هذا النقاش و هذه العينة و اكرر من جديد لمن لا يريد أن يفهم أن الرابطة ليست جزء من مدرسة قومية دون غيرها فمشاربنا الفكرية متنوعة و متعددة و هنا تكمن قوتنا و عبرنا عن هذه الحقيقة في بياننا الفكري قائلين " ... نحن في نفس الوقت لسنا استنساخا لأي تجربة تاريخية و لا بديل لأي اطار تنظيمي و لا مبشرين بأي طرح عقائدي. أن ما يجمعنا هو الحد الأدنى من التوافق الفكري حول مبادئ هي خطوط حمراء لكل قومي عربي . و الحد الأقصى من الالتزام الأخلاقي و النضالي و نكران الذات من أجل تحقيق ذلك الحد الأدنى."

فنحن نتعلم من أساتذتنا ولكننا لا نضعهم في موضع الأنبياء و لا الرسل فما كتبوه قابل للنقد و للتصحيح و للأخذ و الرد كاي نتاج فكر بشري يصيب حينا و يخطأ حينا. أما عبدة الاوثان فيتجمدون مع أصنامهم و يسبقهم التاريخ.

Add comment


Security code
Refresh