لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الاثنين, 22 يناير 2018

بين المؤتمرين و المتآمرين, بندقية

إرسال إلى صديق طباعة PDF

دياب أبو جهجه----

 

ماذا تضر المؤتمرات؟ ماذا يضر الأمة أن يجتمع مناضلوها من كل صقع و مصر و قطر و حدب و صوب و كل ما تزخر به لغتنا الثرية من مفردات تفيد التعدد في الجهات ( جغرافية كانت أم سياسية أم عقائدية) و الاتجاهات (كذلك)؟ أليست  الملتقيات مكانا لرص الصفوف و لوضع التصورات و الخطط تمهيدا للانقضاض على المهام و الاستحقاقات؟ و ألا تتم مناقشة الأفكار و البرامج و الاستراتيجيات في ثنايا المؤتمرات و ذلك ردعا للمؤامرات حتى يكون المؤتمر (بكسر الميم) درع الأمة الأصلب في وجه المتآمر؟

أكيد لا ضير من أن تعقد المؤتمرات و الملتقيات و الاحتفاليات و تسترجع الذكريات و تسكب الدموع على الماضي المجيد. الا أن المشكلة تكون عندما نستقيل من الحاضر مكتفين برفع الشعارات و ترداد المقولات. و أنا أسجع هذه المقالة على غير عادة لأنني كنت على احتكاك ( لم يرق لمستوى المشاركة) بمؤتمر من هذه الميامين الزاخرة بالأدب الرفيع و التي تفصح اللسان حتى و لو لمسه الرطن الأجنبي لسنين طويلة.  و الوجوه هي هي في كل المؤتمرات نفس الناس نفس المجموعات و نفس الاشكاليات و نفس الحلول التي تبقى في البرادات.  حتى أن ذلك  المجاهد السمين من الاخوان المسلمين في بلد عربي ( يتعدى وزنه المئتي كيلو و طوله لا يصل الى مئة و ستين سنتمترا) و الذي شاهدته في عدة مؤتمرات و هو نائم دوما الا عندما يسمح مقترحا يذكر فيه شيء ذو طابع اسلامي فيستفيق فجأة صارخا " نثني, نثني". حتى هو كان حاضرا في نومته .

و عندك طبعا وفد اخوان السودان الذي دخل الى الصالة كأنه يدخل القدس فاتحا و هو يرفع السبابة منشدا : " في سبيل الله غمنا ( و ليس قمنا) نبتقي ( و ليس نبتغي) رفع اللواء, الى آخر الترنيمة. فدب الحماس بالأخوان من كل حدب و صوب و ارتفعت الأصابع الى الأعلى و علت الحناجر تقوم و ترفع اللواء ثم تعود و تجلس من جديد ( و المجاهد الاخوانجي الاردني يرفع لواءه جالسا و أحيانا نائما). كان المشهد كوميديا من حيث كون البعض بعيد جدا عن ساحات الوغى و المواجهات الحقيقية لدرجة انه يعتبر أن و لوج صالة مؤتمرات فخمة في عاصمة لبنان بيروت يعتبر موقفا جهاديا.

أما الوجود القومي العربي فاقتصر على بعض الناصريين الذين غابوا لسبب أو لآخر عن احتفاليات الناصريين بذكرى بناء السد العالي و عيد ميلاد القائد و غيرها من مناسبات نادي احياء ذكرى الزعيم عبد الناصر الذي يعرفه البعض باسم التيار الناصري احيانا. أما البعثيين فكانوا طبعا ايضا في قلب الحدث و جاهزين دوما ليصدحوا  بقصائد الشعر الطويلة و الرنانة في مديح و حب و تعظيم العراق و قائده الشهيد سيد شهداء العصر. فتشعر عندما تسمعهم أنك أمام حزب قومي عراقي لا حزب قومي عربي. و تشعر بأن قضية الأمة كلها اختزلت  باستشهاد صدام. أما العدو فهو ايران بالدرجة الأولى و قبل أمريكا و اسرائيل و تتهم بالسذاجة اذا ما أكدت على محورية و أولوية الصراع مع الامبريالية و الصهيونية.

و بعد قصيدة البعث التي وضع لها أمن المؤتمر حدا بعد البيت التاسع و الستين وسط استهجان النشامى و الماجدات, يطل عليك رأس الوفد الايراني ليتلو الصلوات و التبريكات و الابتهالات و يردد اسم الامام الخميني أكثر من الزفير و الشهيق الصادر عن الاخوانجي الأردني النائم. فترى الحقيقة تنبلج عن كينونة اسطورية أسرارية تتواصل مباشرة مع عالم الغيب, كل ذلك بنبرة أعجمية رطنة سمجة و تسمع الناس من حولك يقولون " لماذا لا يرسلون أحدا يتكلم العربية جيدا" و هو ما ينسونه مباشرة عندما يطل أول متضامن أوروبي فتجد الجميع يبتسم و يهز بالرأس و الرجل يتكلم بالانكليزية و الجميع يستمع من دون معدات ترجمة حتى كدت أقتنع بأن الجميع يتكلم الانكليزية بطلاقة. و في هذه الأحيان تخفت حدة المواجهات و المعارك على الصف الأول و مقاعده التي خيضت بشراسة أسطورية تلامس ضراوة معارك الجنوب و غزة.

ما ضير المؤتمرات و الملتقيات و الخطابات؟ اذا كانت هي تضع خطط العمل و تتابعها كما فعل المؤتمر الصهيوني العالمي و تفعل المؤتمرات المتآمرة على الأمة التي استنسخت منه مثل المؤتمر العالمي الأمازيغي و غيره.  الا أن مؤتمراتنا هي تظاهرات الهدف منها حشد التأييد المعلن دون البحث الحقيقي عن اطار عمل مشترك. و هي احتفاليات بتاريخ عظيم أو مناظرات فكرية , و لكن لا ضير فيها  حتى أنها قد تكون مفيدة كمساحة لقاء و تعارف.

و لكنها تتحول الى آفة عندما تكون:

أ‌-       حجة للاستقالة من الحاضر للتركيز على تمجيد الماضي

ب‌-   تجميعا حظائريا ( من حظيرة) ماشيتيا ( من ماشية) للمئات بل الآلاف من "الشخصيات" ( ما زلت لا أعرف ما هو تعريف الشخصية في بلادنا) و القوى ( التي لا حول لها غالبا) و الاحزاب ( الشللية عموما) من دون انتاج آلية عمل و تنسيق حقيقية و بهدف الترويج الاعلامي للحمة مزعومة و مستحيلة هي أبعد ما تكون  عن واقع تعيشه الأمة العربية اليوم, لا يتطلب اللحمة بين المناضل و الخائن بل فرز القوى.

ت‌-   ندوة فكرية مستمرة تناقش ما نوقش في الماضي و تضيف اليه فهما تبسيطيا للحاضر و تعيد اختراع الماء الساخن كل مرة.

ث‌-    منطلقا للتهجم على العمل التنظيمي و الحزبي المجدد تحت حجة عظمة الأحزاب ( الشلل) الموجودة و ضرورة الالتحاق بها أو حجة العمل الشبكي العصري ( الذي تقوده "شخصيات" المؤتمرين المستقلين) .

 

عندها تكون المؤتمرات مشكلة يجب معالجتها و التعامل معها كحالة تنويمية للأمة و حالة استثمارية لبعض القوى التي تغرق في التنظير و تعتبر ان العمل القومي هو تنظيم ندوات و مؤتمرات.

 في نفس اللحظة التي نلقي فيها خطاباتنا على الحدود أو فوق حيطان السدود, هنالك في مكان ما مقاتل يحمل صاروخا على كتفه و يتقدم ليزرعه في مكان ما استعدادا لمعركة قادمة, ترى أين هو من المؤتمرين؟ و هل يرى الفارق بينهم و بين المتآمرين؟ 

Add comment


Security code
Refresh