لافتة إعلانية
Tools
You are here: الرئيسية
الاثنين, 22 يناير 2018

خطوة على الطريق

إرسال إلى صديق طباعة PDF


 

دياب أبو جهجه-----

توفي المفكر الكبير عصمت سيف الدولة و لم يترك لنا حزبا سياسيا و لا تنظيما قوميا يكون أداة نضالية في يد الشعب العربي من أجل تحقيق المشروع الذي تضمنه كتابه "نظرية الثورة العربية" بأجزائه السبعة.  و سيف الدولة كان يعتبر أن انشاء تنظيم مماثل هو مهمة الشباب العربي و ليس مهمة مفكرين تخطوا سن الشباب.  و تلقف جزء من الشباب العربي المتعطش لمنهجية علمية-فلسفية و لتأصيل معرفي حقيقي في الاجابة على أسئلة من نوع من نحن ما هو مجتمعنا و ما هو مشروعنا له, نظرية الثورة العربية و جعلوها نبراسا لهم في حراكهم السياسي. و كان منهج جدل الانسان  الذي اعتبره سيف الدولة امتدادا و تصحيحا للمناهج الجدلية السابقة سواء كانت هيجلية أو ماركسية , أهم اضافة له حيث أنه شكل للقوميين التقدميين ( هكذا يحب تلامذة سيف الدولة أن يسموا أنفسهم) العدسة التي يقرأون من خلالها الواقع و يحددون على هديها الموقف المبدئي من أي قضية, بعيدا عن منهج التجربة و الخطأ الذي يقود دوما الى الأخطاء المميتة و بعيدا عن الشعبوية و الانتهازية التي تجعل من الموقف تابعا للمصلحة الذاتية لفرد أو مجموعة أفراد.

لقد علمنا جدل الانسان ان أي حركة سياسية تريد تغيير مجتمعها عليها اولا أن تعتمد منهجا علميا في معرفة واقعها و قوانين حركته و نواميس كيانه, و بالتالي عليها أن تبني حراكها على منهجية علمية بعيدة عن الارتجال و التذبذب.

و أن أي حركة سياسية تريد التغيير لا شك أنها تؤمن بامكانيته و بالتالي بقدرة الانسان على صناعة واقعه و  هندسته.  فلا خوف و لا انهزامية و لا يأس.

الا أن شروط العلمية المنهجية التي كانت الهاجس الأول لسيف الدولة جعلته دائما في  ريبة من الارتجال و من الانسياق وراء العواطف و النجاحات المرحلية و " النصر الذي يأتي صدفة فنعرف أننا كنا أبعد ما نكون عنه عندما تحقق" و بالتالي أن ضياعه لاحقا كان حتميا. ففي اطار التخبط العشوائي قد يصيب الغريق جذع شجرة الا أن ذلك لن ينفعه الا مؤقتا فهو ان لم يتعلم السباحة أو يبني زورقا سيغرق عاجلا أم آجلا.

و من هنا لم يرد سيف الدولة أن يقفز و ياخذ معه الشباب العربي في تجربة حزبية تعيد استنساخ ما قبلها أو تكون شلة تلتف حوله. و من منطلق ايمانه العميق بالتعددية و الديمقراطية أدرك الرجل أن الحزب عليه أن يكون ديمقراطيا في ذاته و بالتالي ديمقراطيا في نشأته. و ديمقراطية النشأة هذه تقتضي أن يكون الحزب نتاجا لحراك شعبي حر سابق له و بالتالي أن يكون الحزب كاطار عمل سياسي ديمقراطي الخطوة الأخيرة في مسار تأسيسي معقد.

و عندما أصر الشباب العربي عليه لوضع اللبنات الأولي لهذا المسار كتب لهم "بيان طارق"   مضمنا اياه ما اعتبره المنهجية الديمقراطية القومية لبناء الحزب.

و نقول الديمقراطية القومية لأن الحزب القومي بالنسبة لسيف الدولة ليس الحزب الذي يرفع شعارا قوميا و يحمل فكرا قوميا بل ذلك الذي يجسد القومية في نشأته و انتشاره. تماما كما أن الحزب الديمقراطي ليس الحزب الذي يرفع شعار الديمقراطية بل ذلك الذي يجسدها في نشاته و حراكه الداخلي و الخارجي.

لا شك أن سيف الدولة قد وضع السقف عاليا جدا عندما أصر على أن تكون النشأة قومية و ديمقراطية بكل ما لهذه الكلمات من معان. و لذلك طرح ضرورة التنظيم الانتقالي حيث ينطلق العمل و لو منتقصا ليخلق اطارا تفاعليا تفرز في داخله القوى بين الاقليمي و القومي و الاستبدادي و الديمقراطي و يتفاعل فيه الشباب و يتعارف فيتحد أو يتخاصم و في نهاية المطاف تخرج منه مجموعة طليعية حقيقية قومية فكرا و انتشارا و ديمقراطية فكرا و ممارسة و تكون النواة التأسيسية للتنظيم القومي.

و حدد سيف الدولة طبيعة علاقة الحزب بالدولة الاقليمية (القطرية) بعلاقة تنافر و عدم انسجام. فالدولة  حتى و لو كانت قيادتها قومية و شعاراتها قومية ( كما كان الحال أيام الزعيم عبد الناصر) تبقى دولة اقليمية (قطرية) تحكمها أجهزة اقليمية و دستور اقليمي و قانون اقليمي . و بالتالي فانها لا تستطيع أن تكون عاملا مؤسسا لتنظيم سياسي قومي حقيقي حتى و لو اعلنت نيتها ذلك.  و في نفس الوقت الدول الاقليمية هذه عاجزة عن أن تتوحد فيما بينها فعليا نتيجة لنفس المنطق الذي يحكمها فلا يبق أمام الشعب العربي الا أن يحقق وحدته فيما بينه خارج اطار الدول و اجهزتها و مشاريعها. و من ثم يأخذ الشعب المتحد في تنظيمه القومي و جبهته العريضة  التي تضم كل القوى التقدمية في الأمة, يأخذ دوره في حكم نفسه و تحقيق وحدته شاء من شاء و أبى من أبى.

شكلت شروط نشأة التنظيم القومي (الحزب) في فكر القوميين التقدميين اشكالية دائمة و صراعا بين القناعة بالمنهجية الموضوعة للتاسيس (قومية و ديمقراطية النشأة) و الحاح الظروف و رغبة الشباب في تاسيس اطار للعمل. و لا تزال هذه المعضلة تلقي بظلالها على القوميين التقدميين و عملهم حتى اليوم. فاختار البعض ترك الاعتبارات المنهجية و الانطلاق الى العمل الحزبي على المستوى القطري و من ثم السعي للملمة القوى القومية و الناصرية تحديدا على مستوى الوطن العربي. أما البعض الآخر فانكفأ الى التنظير و نقد التراجع عن المنهج و التحذير من أي مبادرة لكونها خروجا على المنهج العلمي و على مضمون "بيان طارق".

الا أن الاستحقاقات لا تنتظر و الأمة تنزف و التحديات تتعاظم و لذلك لا يمكن لنا أن نغامر في أن ننكفئ الى الداخل و نتجاهل البعد القومي للحراك التنظيمي الذي هو وحده الكفيل باستنهاض حالة تغييرية حقيقية في كل أقطارنا العربية. و لا نستطيع كذلك أن نكتفي بكتابة المقالات في نقد العمل الاقليمي (القطري) و طرح البدائل النظرية.

لا بد من خطوة تجمع بين الانظباط المنهجي و العلمي و الواقعية من جهة و بين آنية الحاجة للنشاط و العمل.  و من هذه الحاجة و من هذه القناعات ولد مشروع رابطة القوميين العرب لتكون اطارا ثقافيا اجتماعيا قوميا يتفاعل في داخله شباب الأمة ( و شيبها) لانتاج حالة طليعية قومية تقدمية على المدى المتوسط و البعيد تستطيع يوما ما أن تدعي قدرتها على انتاج حالة حزبية قومية ديموقراطية راقية تستحق هذه المسميات.

نحن لا نقول أن الرابطة هي التنظيم الانتقالي الأوحد في هذا الطريق, و لكنها تنظيم انتقالي لا شك في ذلك, و هي بالتالي خطوة أولى على طريق طويل. 

Add comment


Security code
Refresh